فيصل تايه يكتب: حين تتغير خريطة الطلبة .. هل تتغير خريطة الجامعات؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 6831
 فيصل تايه يكتب: حين تتغير خريطة الطلبة ..  هل تتغير خريطة الجامعات؟
فيصل تايه

فيصل تايه

في المقالين السابقين، حاولت أن أقترب من نظام المسارات من زاويتين متكاملتين: الأولى تتعلق بفلسفة اختيار الحقل وآلية توزيع الطلبة والمفاضلة بينهم، والثانية تتصل بالأسس التي تحكم هذا التوزيع وما تعنيه عملياً للطلبة والأسر والمدارس.

لكن هذا النقاش، في تقديري، لا ينتهي عند حدود المرحلة الثانوية؛ فالطالب الذي تتغير خريطته التعليمية في المدرسة، ستنتقل خياراته لاحقاً إلى الجامعة، وستترك هذه الخيارات أثرها في خريطة التخصصات وسوق العمل. ومن هنا يصبح السؤال أوسع من آلية التوزيع نفسها: ماذا سيحدث للتعليم العالي عندما تتغير خريطة الطلبة؟ وهل ستتغير معها خريطة الجامعات والتخصصات؟

قد يكون من المبكر إصدار أحكام نهائية على نتائج التجربة الجديدة في التعليم العالي، لكن من المبكر أيضاً أن ننتظر ظهور النتائج كاملة ثم نبدأ بطرح الأسئلة.

فالتخطيط الجيد لا يبدأ بعد ظهور المشكلة، وإنما يبدأ بقراءة ما يمكن أن تتركه التغييرات الجديدة من آثار قبل أن تتحول إلى واقع يصعب التعامل معه.

ومن هنا أرى أن التفكير في العلاقة بين خريطة الطلبة الجديدة وخريطة التعليم العالي ليس استباقاً للنتائج، بل جزء من مسؤولية التخطيط للمستقبل.

فنظام المسارات لم يغير شكل الامتحان فقط، وإنما أعاد توزيع الطلبة على حقول يفترض أن تقود إلى خيارات تعليمية ومهنية أكثر وضوحاً. وهذا التغيير لن يتوقف عند أبواب المدارس، بل ستظهر آثاره تباعًا في الجامعات والتخصصات وسوق العمل.

وهنا يبرز سؤال يستحق أن يوضع أمام أصحاب القرار بهدوء: هل تتناسب خريطة أعداد الطلبة في الحقول الجديدة مع خريطة الطاقة الاستيعابية في التعليم العالي؟

قد يبدو السؤال متعلقاً بالقبول الجامعي، لكنه في الحقيقة أوسع من ذلك. فالجامعات لديها كليات وبرامج وأقسام وأعضاء هيئة تدريس وبنية تحتية واستثمارات، وهذه المنظومة تحتاج إلى أعداد مناسبة من الطلبة حتى تستمر بكفاءة.

وفي المقابل، فإن تركز أعداد كبيرة من الطلبة في حقول تقود إلى مجموعة محدودة من التخصصات قد يرفع المنافسة عليها بصورة كبيرة، بينما قد تواجه برامج أخرى انخفاضاً في أعداد الطلبة القادمين إليها.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمقاعد شاغرة، وإنما بجدوى استمرار بعض البرامج، وكيفية توظيف الموارد الجامعية، وقدرة المؤسسات على الحفاظ على جودة التعليم وكفاءته.

لذلك لا ينبغي أن تتوقف قراءة نتائج نظام المسارات عند السؤال: كم طالبًا نجح؟ وكم طالباً قُبل؟ بل يجب أن نذهب خطوة أبعد: كيف ستتغير خريطة التعليم العالي نتيجة تغير خريطة الطلبة؟

وهذا سؤال لا تستطيع الجامعات الإجابة عنه منفردة، ولا وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية وحدها، وإنما يحتاج إلى قراءة مشتركة تبدأ من أعداد الطلبة وحقولهم، وتمر بخياراتهم الجامعية، وتنتهي بحاجات سوق العمل.

ومن هنا تبرز أهمية المرونة في التعامل مع المسارات؛ فالطالب الذي يختار حقلاً في المرحلة الثانوية لا يكون بالضرورة قد حسم كل تفاصيل مستقبله. وقد تتغير ميوله، أو يكتشف قدرات جديدة، أو لا يتمكن من الوصول إلى تخصصه الأول بسبب المنافسة.

ولذلك فإن وجود مسارات انتقال أكاديمية مدروسة بين بعض الحقول المتقاربة قد يكون أمراً يستحق الدراسة، شريطة أن يخضع لشروط واضحة ومواد استدراكية تضمن امتلاك الطالب متطلبات التخصص الجديد.

والمقصود هنا ليس فتح الأبواب بلا ضوابط، ولا إلغاء فلسفة الحقول، وإنما إيجاد قدر من المرونة يحمي الطالب من أن يتحول اختياره المبكر إلى قيد دائم، خصوصاً أن اختيار الطالب في المرحلة الثانوية ينبغي أن يكون بداية طريق، لا حكمًا نهائيًا على مستقبله.

وفي الوقت نفسه، على الجامعات أن تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة. فإذا تغيرت أعداد الطلبة المتوقع توجههم إلى تخصصات معينة، فمن الطبيعي أن تعيد المؤسسات التعليمية النظر في طاقاتها الاستيعابية وخططها الأكاديمية؛ فقد تحتاج إلى توسيع بعض البرامج، أو تطوير تخصصات جديدة، أو إعادة تنظيم برامج أخرى، أو مراجعة جدوى برامج لم تعد تحظى بالإقبال الكافي.

وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر: هل ما زالت خريطة التخصصات الجامعية الحالية تعكس احتياجات الأردن المستقبلية؟

فليس كل تخصص يرتفع عليه الطلب اليوم يجب أن يتوسع بلا حدود، كما أن انخفاض الإقبال على تخصص معين لا يعني بالضرورة أن إلغاءه هو الحل. والقرار الأكثر عقلانية، في تقديري، يجب أن يجمع بين رغبات الطلبة، والطاقة الاستيعابية، وجودة التعليم، وكلفة البرامج، وحاجات المجتمع، واتجاهات سوق العمل.

فالجامعة ليست جهة لقبول أكبر عدد ممكن من الطلبة، والتعليم العالي ليس سباقاً نحو التخصصات الأكثر شهرة؛ فالجامعة جزء من منظومة وطنية يفترض أن تسهم في بناء رأس المال البشري الذي يحتاجه الاقتصاد والمجتمع.

ومن هنا قد يكون نظام المسارات فرصة لإعادة النظر في العلاقة بين المدرسة والجامعة. فنحن بحاجة إلى أن يعرف الطالب، قبل اختيار الحقل، ليس فقط التخصصات التي يمكن أن يتجه إليها، وإنما طبيعة المنافسة عليها، والبدائل المتاحة، والمهارات التي يحتاجها، والفرص المهنية التي يمكن أن تقوده إليها.

وبالمقابل، تحتاج الجامعات إلى أن تعرف مبكراً شكل المخرجات التي ستصل إليها وأعدادها المتوقعة، بينما يحتاج صانع القرار إلى رؤية الصورة كاملة: الطلبة، والحقول، والتخصصات، والطاقة الاستيعابية، والموارد الجامعية، وحاجات سوق العمل.

وهذا يتطلب قاعدة معلومات أكثر تكاملاً، حتى لا تصبح قرارات القبول مجرد استجابة لأرقام تظهر في موسم محدد، وإنما جزءاً من تخطيط طويل المدى للتعليم العالي، يبدأ من المدرسة ولا ينتهي عند بوابة الجامعة.

كما أن المرحلة الانتقالية الأولى تستحق قدراً من المرونة الإجرائية؛ ليس بمنح استثناءات عشوائية، وإنما بالقدرة على معالجة الحالات التي يكشفها التطبيق الأول للنظام، والاستفادة منها في تطوير قواعد أكثر دقة للسنوات المقبلة.

فالأنظمة التعليمية لا تصبح ناضجة بمجرد صدور تعليماتها، وإنما من خلال اختبارها في الواقع، وقياس آثارها، والاستماع إلى الطلبة والأسر والمدارس والجامعات، ثم تعديل ما يحتاج إلى تعديل.

وأعتقد أن علينا أن نتحرر من فكرة أن نجاح نظام المسارات يقاس فقط بقدرته على توزيع الطلبة في المرحلة الثانوية. فالنجاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح هذا التوزيع مفهوماً ومفيداً وقابلاً للامتداد إلى التعليم العالي ثم إلى سوق العمل.

نحن لا نريد طالباً يعرف اسم الحقل الذي اختاره فقط؛ نريد طالباً يعرف إلى أين يمكن أن يقوده، وما البدائل أمامه، وكيف يمكنه أن يعيد توجيه مساره إذا تغيرت ظروفه.

وفي الوقت نفسه، لا نريد جامعات تواصل تشغيل البرامج بالطريقة نفسها مهما تغيرت أعداد الطلبة واحتياجات المجتمع؛ بل نريد جامعات قادرة على قراءة المستقبل، وتطوير برامجها، وإعادة ترتيب أولوياتها، والاستثمار في التخصصات التي يحتاجها الأردن فعلًا.

إن القضية، في جوهرها، ليست قضية قبول جامعي فقط، وإنما إعادة رسم للخريطة التعليمية بأكملها. فالمدرسة ترسم بداية الطريق، والجامعة تبني مرحلة جديدة منه، وسوق العمل يكشف في النهاية مدى صواب الاختيارات.

وإذا كان نظام المسارات قد جاء ليعيد تنظيم البداية، فإن الخطوة الأهم الآن هي أن نتأكد من أن بقية الطريق قد أُعيد تنظيمها أيضاً.

عندها فقط يمكن أن يتحول نظام المسارات من تغيير في بنية الثانوية العامة إلى إصلاح متكامل في طريقة بناء مستقبل الطالب، وتخطيط التعليم العالي، والاستجابة لحاجات الدولة والمجتمع وسوق العمل.
والله الموفق.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم