يوسف الطورة يكتب: في مدن الكذب والتيه .. من سرق صوت الحقيقة؟

منذ 51 دقيقة
المشاهدات : 9529
يوسف الطورة يكتب: في مدن الكذب والتيه ..  من سرق صوت الحقيقة؟
يوسف الطورة

يوسف الطورة

في المدن الكاذبة تحتاج الأحلام أحياناً إلى إغلاق الباب؛ "العالم يكذب" فهل تكفي هذه العبارة اعتذاراً للبؤساء وجياع الأرض؟.

في مدن التيه وحده الوهم من يجمع البشرية لا الوجود، اختلطت الأصوات حتى لم يعد أحد يعرف أين ينتهي النهيق وأين يبدأ الصياح.

قديماً حين كان يسمع الديك نهيق الحمار لم يكن يقول "لقد سرق صياحي"، لأن لكل صوت هويته ومكانه، أما اليوم اختلطت أصوات الوجود، وصار كل شيء يشبه كل شيء، الحقيقة تقلد الكذب، والكذب يرتدي ثياب الحقيقة.

لم تعد المشكلة أن العالم يكذب بل أن الإنسان تعلم كيف يعيش داخل الكذبة، وكيف يصنع منها وطناً وحقيقة، وأحياناً خلاصاً.

صار الوهم أكثر احتمالاً من الحقيقة، لأن الحقيقة مؤلمة، بينما الوهم يمنحنا فرصة قصيرة لنؤجل مواجهة ما نعرفه، وربما كانت المأساة كلها تختصرها جملة واحدة "صحيح أن الأرض كانت أرضاً، ولكن لم يكن الإنسان إنساناً".

حائرة هي الأرض برزخ من خمر بين التمر والعنب، فلا العنب صار زبيباً ولا التمر بقي رطباً، عالقة في حالة بينية لا هي في خصبها الأول، ولا بلغت جفافها الأخير.

كأنها تنتظر شيئاً لا يأتي، أو نهاية لا تعرف كيف تبدأ، والإنسان في هذا البرزخ لم يعد يبحث دائماً عن الحقيقة، أحياناً يبحث عن رواية يستطيع احتمالها.

الذين يشعرون بالحياة كثيرا هم أول من يهزم فيها، إن الحساسية العالية لعنة تجعلك ترى ما لا يحتمل، وتفهم ما لا يجب فهمه، وتدرك عبث كل شيء قبل أن يتعلم الآخرون تجاهله.

لا أحد يفهم متعبون دون سبب واضح، مهمومون دون مصيبة، حزينون بلا موت، أولئك الذين يضحكون باستمرار لا يعيشون بعمق، يضحكون كثيراً لأن الضحك أحياناً أكثر الأقنعة ملاءمة لروح أنهكها التفكير.

في الثانية صباحاً تسقط المجاملات يهدأ العالم تنطفي الأضواء، تختفي الالتزامات المهنية، ويهدأ صخب العائلة، وتتراجع أصوات الآخرين، وتبقى وحدك.

في هذه اللحظة تحديداً تدرك الحقيقة العارية لقد قضيت يومك ترمم الآخرين، بينما اهملت نفسك، الآن أنت وحدك تعود في آخر الليل حاملاً ما تبقى منك، وعندما يحين وقت الراحة يرفض النوم أن يحتضن روحاً أثقلتها الخسارات.

وحدهم من يفكرون أكثر، من يسألون بلا أجوبة، من لا ينسجمون مع القطيع يدفعون الثمن مضاعفاً لأنهم ولدوا بلا درع، العالم لا يرحم الأرواح الشفافة بل يدوسها بحذاء الوقاحة ثم يطلب منها أن تكون أكثر صلابة.

ربما يكون في كل هذا الخراب معنى صغير أن تعرف نفسك حتى لو متعباً، أن ترفض أن تتحول إلى نسخة أخرى من الضجيج، وأن تحتفظ بصوتك حتى لو اختلطت الأصوات.

فليس المطلوب أن تنقذ العالم كله، أحياناً يكفي ألا تسمح للعالم بأن يسرق إنسانيتك، قد تضيع بين التمر والعنب، وقد يختلط النهيق بالصياح، وقد ترتدي الحقيقة ثوب الكذب، لكن يبقى هناك شيء واحد يستحق أن نحميه من كل هذا التيه أن نظل بشراً حتى في عالم نسي كيف يكون الإنسان إنساناً.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم