القضاه يكتب: من الهيئات المستقلة إلى الوزارات الرشيقة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 12715
 القضاه يكتب: من الهيئات المستقلة إلى الوزارات الرشيقة
د.عبدالله محمد القضاه

د.عبدالله محمد القضاه

تصوّر إصلاحي لدمج الهيئات في الوزارات: مفتش عام للقطاع، ودمج الوحدات المساندة، ونقل تدريجي للفائض

لم يعد الجدل حول الهيئات المستقلة في الأردن ترفاً فكرياً أو سجالاً أكاديمياً؛ بل أصبح قضية رأي عام تتردد في بيوت الأردنيين وتحت قبة البرلمان على حد سواء. فالاحتجاجات الشعبية والنيابية المتصاعدة ليست اعتراضاً على وجود تنظيم قطاعي متخصص بحد ذاته، وإنما هي رسالة واضحة مفادها أن الأردنيين يريدون جهازاً عاماً أقل أجساماً وأكثر إنجازاً، وأقل كلفة وأكثر مساءلة. ومن موقع المسؤولية لا من موقع التنظير، أرى أن الحل لا يكون بترحيل الأزمة ولا بإغلاق عشوائي يفقد الدولة خبرات تراكمت عبر عقود، وإنما بدمج مدروس يعيد للوزارة مكانتها الطبيعية بوصفها صاحبة الولاية على القطاع، ويحفظ في الوقت ذاته الاختصاص الفني والاستقلالية المهنية للعمل الرقابي والتنظيمي.
أولاً: تشخيص المشكلة قبل وصف الدواء
لقد تأسس كثير من الهيئات المستقلة في سياقات تاريخية مفهومة: الحاجة إلى تنظيم قطاعات ناشئة، ومتطلبات اتفاقيات دولية، ورغبة في عزل القرار الفني عن التجاذبات. غير أن التراكم الزمني أنتج واقعاً مشوهاً: وزارات بلا ولاية كاملة على قطاعاتها، وهيئات تعمل في جزر معزولة، وازدواجية في الوحدات الإدارية والمالية والقانونية ووحدات تقنية المعلومات والمشتريات والإعلام، تستهلك من الموازنة العامة ما كان أولى به أن يتجه إلى تحسين الخدمة المقدمة للمواطن. والأخطر من الكلفة المالية هو تشتت المساءلة؛ فحين يتعثر أداء قطاع ما، تتبادل الوزارة والهيئة المؤشرات، ويبقى المواطن وحيداً يبحث عن جهة يحاسبها. هذه ليست رشاقة مؤسسية، بل ازدواجية مؤسسية بامتياز.
ثانياً: جوهر التصور- الدمج لا الإلغاء، والاختصاص لا الاستغناء
يقوم التصور الذي أطرحه على قاعدة ذهبية: نحن لا نلغي وظيفة تنظيمية قامت بها الهيئة، بل نعيد توطينها داخل الوزارة، بحيث تصبح الوزارة صاحبة الولاية الكاملة على القطاع تنظيماً وتخطيطاً ورقابة وتنفيذاً. وتتحقق هذه الغاية عبر ثلاث ركائز متكاملة:
1. دمج المهام الفنية والتنظيمية للهيئة ضمن الهيكل التنظيمي للوزارة، على شكل مديريات ووحدات متخصصة تحتفظ بكوادرها الفنية وخبراتها المتراكمة، فلا تخسر الدولة عقولاً دفعت ثمن تدريبها من مال دافعي الضرائب.
2. تحويل مسمى رئيس الهيئة إلى "مفتش عام القطاع" يرتبط بالوزير مباشرة، ويتولى الرقابة على أداء القطاع والتحقق من التزام مخرجاته بالسياسات والمعايير المعتمدة. وبذلك نحافظ على استقلالية الرقابة الفنية وموضوعيتها، ونمنحها في الوقت نفسه غطاءً سياسياً وإدارياً يجعل توصياتها قابلة للتنفيذ لا حبيسة الأدراج. فالمفتش العام ليس موظفاً إدارياً عادياً؛ إنه عين الوزير الساهرة على القطاع، وصوت الضمير المهني داخل الجهاز.
3. دمج الوحدات الداعمة والمساندة في الهيئة - من إدارية ومالية وقانونية وتقنية معلومات ومشتريات واتصال - مع نظيراتها في الوزارة، لتنتهي ظاهرة الجهازين المتوازيين اللذين يؤديان الوظيفة ذاتها بكلفة مضاعفة.
ثالثاً: العدالة الانتقالية للموارد البشرية
إن أي إصلاح يُبنى على حساب أرزاق الموظفين إصلاحٌ محكوم عليه بالفشل الأخلاقي قبل الإداري. لذلك أؤكد أن الفائض الذي سينتج عن دمج الوحدات المساندة لن يُرمى في الشارع، بل سيُدار بخطة تدرجية محكمة: إعادة توزيع مدروسة على الوزارات والدوائر التي تعاني شواغر حقيقية، وبرامج إعادة تأهيل وتدريب ترفع جاهزية الموظفين للمهام الجديدة، وقنوات انتقال منظمة إلى جهات حكومية أخرى بحسب الحاجة الفعلية، مع الحفاظ الكامل على الحقوق المكتسبة. فهدفنا وزارة رشيقة لا أسر مهددة، والدولة التي تطلب من مواطنيها الثقة بإصلاحها يجب أن تكون أول من يمنح موظفيها الأمان.
رابعاً: آلية التنفيذ ( تدرج محسوب لا قفزة في المجهول):
أقترح أن يسير الدمج وفق خارطة طريق واضحة تُعلن للرأي العام: تبدأ بقطاع نموذجي واحد كتجربة رائدة تُقيَّم نتائجها بموضوعية قبل التعميم، وتشكَّل لجنة وزارية للدمج المؤسسي تضم ممثلين عن الأكاديمية الاردنية للإدارة الحكومية وهيئة الخدمة والإدارة العامة ودائرة الموازنة العامة والجهات المعنية، وتوضع تشريعات مؤقتة تنظم المرحلة الانتقالية وتحسم الاختصاصات فلا يبقى فراغ قانوني يعطل القرار. وتُنشر تقارير تقدم دورية أمام مجلس النواب والرأي العام، لأن الشفافية هي وقود الثقة، والثقة هي رأس مال أي إصلاح.
خامساً: قياس النجاح بميزان المواطن لا بميزان البيانات
لن نكتفي بالقول إن الدمج حقق رشاقة مؤسسية؛ بل سنقيسه. أقترح اعتماد مؤشرات معلنة: كلفة التشغيل قبل الدمج وبعده، وزمن إنجاز المعاملات والتراخيص، ونسبة الرضا المجتمعي عن الخدمات تُقاس دورياً باستطلاعات مستقلة ومحايدة. فالإصلاح الحقيقي هو الذي يشعر به المواطن في شباك الخدمة وفي جودة القرار، لا الذي يبقى حبراً على ورق التقارير.
سادساً: المكاسب المتوخاة
حين يكتمل هذا المسار سنكون أمام مشهد مختلف تماماً: وزارة رشيقة تمارس ذات المهام التي كانت تتقاسمها الوزارة والهيئة، لكن بجهاز واحد وموازنة واحدة ومساءلة واحدة؛ ومفتش عام للقطاع يقظ ومرتبط برأس السلطة التنفيذية في وزارته؛ ووفورات مالية تتجه إلى تحسين الخدمات؛ ووضوح في المسؤولية يرد على الاحتجاج الشعبي والنيابي بالفعل لا بالوعد. وبذلك نحقق غايتين توأمين: رشاقة مؤسسية تعيد للدولة هيبتها الإدارية، ورضا مجتمعي يرمم عقد الثقة بين المواطن ومؤسساته.
ختاما؛ىلقد أنجبت الأردنَ الإرادةُ السياسيةُ عبر قرناً من التحديات، وأثبتت الدولة الأردنية أنها حين تقرر الإصلاح تنفذه بعقلانية وتوازن. إن دمج الهيئات المستقلة في الوزارات ليس عودة إلى الوراء، بل تصويب للمسار يستجيب لنبض الشارع وصوت البرلمان، ويستلهم في الوقت ذاته أفضل الممارسات في الإدارة الحديثة. والمطلوب اليوم ليس مزيداً من الدراسات، بل قرار شجاع يبدأ بقطاع واحد، ويقيس بصدق، ويعمم بحكمة. فالرشاقة المؤسسية ليست شعاراً نرفعه، بل التزام نمضي إليه؛ والرضا المجتمعي ليس منحة ننتظرها، بل نتيجة نستحقها حين نصلح بيتنا الإداري من الداخل.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم