قضية رأي عام .. هل يجب ضبط المتهم وهو يضغط زر الإرسال؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 57042
قضية رأي عام ..  هل يجب ضبط المتهم وهو يضغط زر الإرسال؟

سرايا - من إدانة ابتدائية بالحبس سنة، إلى براءة استئنافية، ثم طعن تمييزي من النيابة العامة، تضع هذه القضية أمام محكمة التمييز سؤالاً يتجاوز أطرافها كيف يمكن إثبات الجريمة الإلكترونية من دون أن نطالب بإمساك المتهم متلبساً وهو يضغط زر الإرسال؟.

القضية تتعلق برسالة أُرسلت عبر "واتساب"، وتستند النيابة العامة في إثباتها إلى مجموعة من الأدلة، بينها إفادات وشهادات وتقارير فنية وخبرة متخصصة، إضافة إلى محتوى مستخرج من الهاتف وسياق سابق للخلاف بين الأطراف.

لكن محكمة الاستئناف انتهت إلى البراءة، ومن أبرز ما استندت إليه أن المتهم كان خارج الأردن وقت وصول الرسالة، في حين ظهرت الشريحة الهاتفية داخل المملكة، مع عدم استخدام خدمة التجوال الدولي.

وهنا تبدأ المفارقة الفنية فالخبير أوضح أن تطبيق "واتساب يعمل عبر الإنترنت، وأن تشغيل الحساب لا يشترط وجود الشريحة في الجهاز المستخدم، كما لا يمكن من بيانات الشريحة وحدها تحديد المكان الفعلي الذي أُرسلت منه الرسالة أو موقع مستخدم الحساب.

وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً هل وجود الشريحة في الأردن يعني بالضرورة أن مستخدم "واتساب" كان في الأردن، بالتأكيد لا ينبغي أن تتحول التكنولوجيا إلى طريق مختصر للإدانة، كما لا يجوز تحويل صعوبة إثبات الجريمة الرقمية إلى حصانة عملية لمرتكبها.

فالجرائم الإلكترونية بطبيعتها لا تترك دائماً شاهداً يرى الفاعل وهو يضغط زر الإرسال، وقد يكون الهاتف في مكان والشريحة في مكان آخر، والمستخدم في بلد ثالث، بينما تصل الرسالة إلى الضحية في مكان رابع.

لذلك فإن معيار الإثبات لا ينبغي أن يقوم على دليل منفرد، بل على قراءة سلسلة الأدلة والقرائن مجتمعة، من يملك الحساب؟ من يملك الوسيلة؟ من كان لديه القدرة على استخدامها؟ ماذا تقول البيانات الفنية؟ وما السياق السابق؟ وهل تتساند هذه العناصر في رسم صورة منطقية متماسكة، أم تترك شكاً معقولاً لا يمكن تجاوزه؟.

وفي المقابل، فإن ملكية شريحة أو هاتف أو حساب لا تعني تلقائياً أن صاحبه ارتكب الجريمة، لا بد من إثبات العلم والإرادة والقصد والرابطة بالفعل الجرمي.

وهنا تكمن أهمية طعن النيابة العامة أمام محكمة التمييز، فالمسألة ليست إعادة محاكمة شعبية للمتهم، ولا إدانة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما اختبار لمنهجية وزن الأدلة وتسبيب الحكم ومدى سلامة تطبيق القانون.

السؤال الحقيقي ليس هل رأى أحد المتهم وهو يضغط زر الإرسال؟، السؤال هو هل تكشف الأدلة مجتمعة وبدرجة اليقين التي تتطلبها الإدانة الجزائية أن هذا الشخص تحديداً هو من ارتكب الفعل؟.

هذه هي المعادلة الصعبة في العدالة الرقمية ألا ندين إنساناً بالظن، وفي الوقت نفسه ألا نجعل تعقيد التكنولوجيا معياراً يستحيل معه إثبات الجريمة.

فإذا كان وجوب البحث عن اليد التي ارتكبت الفعل، فإن العدالة الرقمية مطالبة بالبحث أيضاً عن البصمة التي تركها الفعل.

والفصل في هذه القضية سيبقى للمحكمة وحدها، لكن السؤال الذي أطلقته يستحق أن يناقشه القانونيون وخبراء الأدلة الرقمية، كيف نثبت الجريمة التي تحدث خلف الشاشة، من دون أن نطلب من العدالة أن ترى إصبعاً يضغط زر الإرسال؟.

إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم