الصلاحين يكتب: عقل اليوم بين وفرة المعلومة وأزمة الوعي والضمير

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 9880
 الصلاحين يكتب: عقل اليوم بين وفرة المعلومة وأزمة الوعي والضمير
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

عقل اليوم بين وفرة المعلومة وأزمة الوعي والضمير الدكتور علي الصلاحين قال أفلاطون: «عقول الناس مدوّنة في أطراف أقلامهم، وظاهرة في حسن اختيارهم». ولعل هذه العبارة أكثر حضورًا في عصرنا؛ ففي زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر، لم يعد السؤال: كم نعرف؟ بل: ماذا نختار أن نعرف؟ وكيف نفهمه؟ وماذا نصنع به؟ لقد وفّرت التكنولوجيا للإنسان من مصادر المعرفة ما لم يكن متاحًا لأجيال من العلماء، لكن وفرة المعلومات لم تُنتج بالضرورة وفرة في الوعي. فالوسائط الرقمية لا تميّز وحدها بين الحقيقة والوهم، ولا بين المعرفة والخرافة، ولا بين الرأي والدليل. ومن هنا أصبح الجهل في عصرنا لا يعني غياب المعلومة فحسب، بل قد يعني العجز عن فرزها والتحقق منها وحسن توظيفها. ولا تكمن المشكلة في الثقافة الشعبية أو التراث؛ فهما جزء من الذاكرة والهوية، وإنما الخطر حين يتحول الموروث إلى مرجعية مغلقة تحاكم الحاضر بالماضي، وتنتصر للمقولات المتوارثة لمجرد أنها قديمة، لا لأنها صحيحة. فالعقل الواعي لا يقطع صلته بتراثه، ولا يستسلم له، بل يحاوره ويميز فيه بين الحكمة والخرافة، وبين ما يستحق أن يُحفظ وما ينبغي أن يُقرأ بوصفه تجربة تاريخية. والعقل النقدي لا يعني رفض كل شيء، بل القدرة على السؤال والمراجعة والمقارنة والاعتراف بالخطأ. فالشهادة العلمية لا تصنع وحدها عقلًا واعيًا، وكثرة القراءة لا تعني حسن الاختيار؛ فقد يجمع الإنسان معلومات كثيرة، لكنه يظل عاجزًا عن بناء موقف رشيد منها. وهنا تتسع المسافة بين التعليم والثقافة، وبين المعرفة والوعي. إن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم أن يتحول الاعتياد إلى قناعة، والقناعة إلى يقين، ثم يصبح اليقين حاجزًا أمام التفكير. ولذلك نحن بحاجة إلى عقل يختبر الأفكار بدل أن يكررها، ويتحقق قبل أن ينشر، ويختلف دون خصومة، ويقبل النقد دون أن يراه انتقاصًا من صاحبه. وتبدأ المعركة الحقيقية من التربية؛ أن نعلّم أبناءنا كيف يفكرون، لا ماذا يفكرون فقط، وأن نغرس فيهم احترام الحقيقة، وأدب الاختلاف، ومسؤولية الكلمة. فكل ما نقرأه ونكتبه وننشره يترك أثرًا، وقد يكون لبنة في بناء الوعي أو وسيلة لإعادة إنتاج الوهم. إن مستقبل مجتمعاتنا لن تصنعه كثرة الشهادات ولا سرعة الأجهزة، وإنما عقل قادر على التمييز، وضمير يحترم الحقيقة، وتربية تجعل المعرفة طريقًا للتحرر لا أداة للانقياد. وعندما نصل إلى ذلك، تتحول وفرة المعلومة إلى نهضة في الوعي، ويصبح القلم شاهدًا صادقًا على عقل صاحبه.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم