د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: اكتشف نفسك: نصائح نفسية وطبية وحياتية

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 15218
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: اكتشف نفسك: نصائح نفسية وطبية وحياتية
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

في إحدى حلقات المسلسل المصري القديم «الزنكلوني»، اشتكت الأسرة من بخل الزوج داخل بيته، بينما كان كريمًا مع الآخرين. وصل الأمر إلى استضافته في برنامج تلفزيوني، فاستمع الرجل إلى الشكوى ووعد أن يتغير، ثم ختم الحلقة بالإصرار على دعوة فريق البرنامج إلى العشاء على نفقته!

ضحكت المذيعة، وضحك المشاهدون؛ فقد أعاد الرجل إنتاج المشكلة نفسها وهو يحاول إقناع الناس بأنه تخلّص منها.

وربما لهذا اخترع الناس أمثالهم قبل أن تزدحم رفوف المكتبات بكتب علم النفس: «باب النجار مخلّع».

فالنجار الذي يصلح أبواب الناس قد يعود كل مساء إلى باب بيته المحتاج إلى الصيانة ويقول: غدًا. والطبيب الذي يشرح لمرضاه مخاطر السمنة وقلة الحركة قد يعاني زيادة الوزن، والذي يعرف أضرار التدخين قد يكون مدخنًا. والمهندس الذي يدير مشروعًا معقدًا بدقة قد يؤجل إصلاح عطل صغير في منزله أشهرًا.

ليس هؤلاء بالضرورة منافقين، ولا جاهلين بما يفعلون. المسألة أكثر إنسانية من ذلك.

فنحن لا نعيش وفق ما نعرف فقط، بل وفق شبكة معقدة من العادات والأولويات والضغوط والدوافع والمكافآت. وقد يعرف الإنسان تمامًا ما ينبغي أن يفعله، لكنه لا يفعله؛ لأن المعرفة بالسلوك لا تعني دائمًا القدرة على تغييره.

تبدأ الحكاية غالبًا بشيء بسيط: سأفعل ذلك غدًا.

غدًا سأبدأ المشي.
غدًا سأنظم نومي.
غدًا سأخفف العمل.
غدًا سأجلس مع أسرتي.
غدًا سأذهب إلى الطبيب.
وغدًا سأمنح نفسي بعض الوقت.

لكن الغد يصل محمّلًا بأولويات جديدة، فنؤجل أنفسنا مرة أخرى.

وهنا تصبح رعاية الذات قضية نفسية، لا ترفًا ولا شعارًا جميلًا. فالعناية بالنفس ليست إجازة عابرة ولا فنجان قهوة في مكان جميل، وإنما أن تفهم احتياجاتك وحدودك، وأن تلاحظ جسدك ومزاجك وعلاقاتك ونومك قبل أن تتحول الإشارات الصغيرة إلى إنذارات كبيرة.

ومن المفارقات أن الإنسان المرهق لا يبحث دائمًا عما ينفعه، بل عما يريحه بسرعة.

قد يعرف أنه يحتاج إلى النوم فيسهر أمام هاتفه، ويعرف أن جسده يحتاج إلى الحركة فيبقى جالسًا، ويعرف أن بعض العلاقات تستنزفه فيستمر فيها، ويعرف أن التفكير في المشكلة للمرة المئة لن يحلها، لكنه يعيدها في رأسه للمرة المئة وواحد.

إنها مكافآت صغيرة وسريعة نشتري بها لحظة راحة، وقد ندفع ثمنها لاحقًا من صحتنا وهدوئنا ووقتنا.

ولهذا فإن اكتشاف الذات لا يعني أن تقف أمام المرآة وتسأل: من أنا؟

السؤال الأهم أحيانًا: ماذا أفعل بنفسي كل يوم دون أن أنتبه؟

ما الذي يستنزفني؟ وما الذي أؤجله باستمرار؟ لماذا أستطيع حل مشكلة الآخرين، بينما أدور حول مشكلتي؟ لماذا أقدم النصيحة الصحيحة ولا أطبقها؟ وما الأشياء التي اعتدت عليها حتى أصبحت أظن أنها جزء من شخصيتي، بينما هي في الحقيقة مجرد أنماط تعلمتها ويمكن مراجعتها؟

هنا تبدأ معرفة النفس الحقيقية.

أن تراقب أنماطك لا صورتك فقط. وأن تكتشف الأشياء التي تمنحها وقتك، والأشخاص الذين تمنحهم طاقتك، والأفكار التي تمنحها أكبر من حجمها، ثم تسأل بهدوء: وأين أنا من كل هذا؟

وقد يكون الإنسان ناجحًا ومحبوبًا ومفيدًا للآخرين، ومع ذلك يحتاج إلى أن يعيد ترتيب علاقته بنفسه. فالقدرة على رعاية الآخرين لا تعني أننا نجيد بالضرورة رعاية ذواتنا، والخبرة المهنية لا تمنح صاحبها حصانة نفسية.

بل ربما كان بعض أكثر الناس انشغالًا بإصلاح أبواب الآخرين هم آخر من ينتبه إلى بابه.

ومن هنا تأتي قيمة الاستشارة النفسية حين نحتاج إليها؛ فالأخصائي النفسي لا يفترض أن يعرف حياتك أكثر منك، ولا يأخذ منك زمامها، ولا يقدم لك وصفة جاهزة للسعادة.

إنه يساعدك على أن تستعيد أنت زمام المبادرة.

أن تروي سرديتك كما ربما لم ترها من قبل؛ أن تكتشف ما يتكرر بين فصولها، وما الذي يستنزفك، وما الذي تهرب منه، وما الذي تؤجله، وأين تتعارض احتياجاتك الحقيقية مع الطريقة التي اعتدت أن تعيش بها.

فأحيانًا نحتاج إلى عين مهنية من الخارج، لا لأنها تعرف عنا كل شيء، وإنما لأننا قد نكون قريبين جدًا من حكايتنا إلى درجة أننا لم نعد نرى بعض تفاصيلها.

الماضي بالطبع لا يُعاد.

لكن يمكن أن نعيد فهمه وقراءة معناه وتغيير علاقتنا به، وأن نتعلم كيف نرعى حاضرنا بصورة أفضل.

وهذا ربما هو المعنى الأعمق لاكتشاف النفس: ألا تبحث عن شخص جديد بداخلك، وإنما أن ترى الشخص الموجود أصلًا بوضوح أكبر.

فالحكاية التي مضت لا نستطيع إعادة كتابتها، أما الفصول التي لم تُكتب بعد.. فما زال القلم بأيدينا.

د. زيد إحسان الخوالدة
علم النفس السريري | باحث في الشؤون النفسية والصحية والتنموية
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم