د. دانييلا القرعان تكتب: كيف تُسعَّر المحروقات؟ .. شرح مبسّط بعيداً عن التشكيك

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 16368
د. دانييلا القرعان تكتب: كيف تُسعَّر المحروقات؟ ..  شرح مبسّط بعيداً عن التشكيك
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

كلما اقترب نهاية الشهر، يبدأ المواطن بمتابعة الأخبار والتوقعات حول أسعار المحروقات للشهر المقبل، هل سيرتفع البنزين؟ هل سينخفض؟ هل سيبقى السولار ثابتاً؟ ولماذا يرتفع سعر النفط عالمياً بينما لا يرتفع البنزين بالنسبة نفسها، أو العكس أحياناً؟ لذا فإن فهم الطريقة التي تُسعَّر بها مشتقات النفط قد يكون أفضل وسيلة لتقليل مساحة الإشاعة والتكهن والتشكيك.

تجتمع لجنة تسعير المشتقات النفطية في نهاية كل شهر لتحديد أسعار البيع للشهر التالي، تستند اللجنة إلى منهج ومعادلة تسعير محددة، وتراجع الأسعار العالمية خلال الشهر، وتقارنها بالأسعار في الشهر السابق ثم تطبق معادلة السعر على المشتقات المختلفة.

سعر برميل خام برنت ليس السعر الذي تُبنى عليه تسعيرة البنزين بصورة مباشرة، فالبنزين والسولار، لها أسعار عالمية خاصة بها، قد تتحرك بطريقة مختلفة عن حركة خام برنت، لذا يمكن أن ينخفض سعر برنت بنسبة معينة، بينما لا ينخفض البنزين بالنسبة نفسها، أو ترتفع أسعار بعض المشتقات بينما يبقى بعضها الآخر مستقراً، وقد أظهرت قرارات سابقة للجنة هذا الأمر بوضوح؛ ففي أحد الأشهر ارتفعت أسعار البنزين والديزل عالمياً، فانعكس ذلك على المعادلة، بينما بقي الكاز والغاز المنزلي عند أسعاره لأسباب تتعلق بالسياسة السعرية والدعم.

يتم تحديد الأسعار العالمية للمشتقات خلال الشهر ثم تطبق عليه معادلة التسعير ثم تحتسب الكلفة التي تترتب بوصول المشتق إلى السوق المحلي ثم تحتسب الضرائب والرسوم وفق القانون ثم يحدد السعر النهائي الذي سيباع به المشتق للمواطن، لكن هناك نقطة بالغة الأهمية، الكلفة التي تنتج عن المعادلة ليست بالضرورة هي السعر الذي سيدفعه المواطن، وهذه النقطة تحديداً هي التي تسبب كثيراً من سوء الفهم، فالحكومة قد تقرر في ظروف معينة ألا تنقل كامل الارتفاع العالمي إلى المواطن، فتتحمل جزءاً من الكلفة أو تؤجل انعكاسها بصورة تدريجية، هذا ليس افتراضاً فقد أعلنت وزارة الطاقة كمثال في عام 2026 صراحة أن الحكومة اتبعت سياسة التدرج في عكس ارتفاعات الأسعار العالمية، وأن بعض الأسعار المحلية لم تعكس الكلف الحقيقية كاملة، هذا المثال يوضح قول أن كل ارتفاع عالمي يذهب فوراً إلى جيب المواطن ليس دقيقاً بالضرورة؛ ففي تلك الفترة تحمّلت الحكومة جزءاً من فروقات الكلفة، وأعلنت أنها ستعالج هذه الفروقات تدريجياً مع استقرار الأسعار العالمية.

والأمر نفسه ظهر في الشهر التالي. ففي أيار 2026 بلغت الكلفة الفعلية لبنزين أوكتان 90 نحو 1061.3 فلساً للتر، في حين ثبت سعر البيع عند 1000 فلس، كما بلغت الكلفة الفعلية للسولار نحو 1147.27 فلساً، بينما حُدد سعره عند 790 فلساً. أما الكاز فبلغت كلفته الفعلية 1128.89 فلساً، في حين بقي سعر بيعه 550 فلساً.

هنا نصل إلى سؤال آخر يطرح نفسه دائماً: إذا كانت الكلفة الفعلية أعلى من سعر البيع، فمن يدفع الفرق؟ الجواب، الفرق قد تتحمله الحكومة ضمن سياسة الدعم أو التدرج في عكس الارتفاع حسب القرارات والسياسات المتبعة كل فترة. وقد أعلنت وزارة الطاقة أن الدعم المباشر التراكمي للمحروقات خلال فترة الأزمة في عام 2026 بلغ نحو 170 مليون دينار حتى نهاية أيار، إضافة إلى دعم موجه للقطاع الصناعي.

لكن ماذا عن الضرائب؟ هنا أيضاً يجب التفريق بين أمرين، السعر العالمي للمشتق والسعر النهائي الذي يدفعه المواطن في محطة الوقود. فالسعر النهائي يتكون من مجموعة عناصر، وليس من قيمة النفط الخام وحدها، لذا فإن أي حديث عن سعر المحروقات يجب أن يميز بين الكلفة العالمية وكلف وصوله إلى السوق مع الضرائب والرسوم والسياسة الحكومية المتعلقة بالدعم والتثبيت.

الأهم أن ارتفاع السعر العالمي لا يعني تلقائياً أن الحكومة تحصل على إيراد ضريبي إضافي مساوٍ للارتفاع في سعر المحروقات، إذ أوضحت وزارة الطاقة في قراراتها خلال 2026 أن الزيادات التي عكستها اللجنة على بعض المشتقات لم تكن بهدف زيادة العوائد الضريبية، وإنما لعكس جزء من الزيادة التي حدثت في الأسعار العالمية، كما أشارت إلى أن الحكومة جمّدت أجزاء من الضرائب على بعض المشتقات وقدمت دعماً مباشراً لها.

السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا لا نرى دائماً انخفاضاً كبيراً عندما ينخفض النفط؟ الجواب لأن المقارنة الصحيحة ليست بين سعر برنت اليوم وسعر البنزين غداً فالتسعير يقوم على متوسط السعر خلال فترة التسعير ومقارنته بالفترة السابقة وليس على سعر يوم واحد.

وهنا سؤال أخر، لماذا قد يرتفع البنزين بينما يبقى السولار ثابتاً؟
السبب لأن كل مشتق له سوق عالمي وحركة سعرية مختلفة قد تنخفض أو ترتفع بالبنزين بدرجة بينما بالسولار بدرجة مختلفة، وقد لا يتحرك إطلاقاً خلال فترة معينة، هذا ليس استثناءً أردنياً بل نتيجة طبيعية لاختلاف أسواق المشتقات والعرض والطلب وهوامش التكرير والأسعار العالمية لكل منتج.

الدليل على وجود منهج يمكن الرجوع إليه هو أن وزارة الطاقة تنشر على موقعها الرسمي صفحة خاصة بأسعار البيع المحلية للمحروقات، وتتضمن روابط إلى معادلة تسعير المشتقات النفطية ومعادلة تسعير الغاز البترولي المسال، إضافة إلى أرشيف الأسعار منذ عام 2008، وهذا أمر مهم جداً في مواجهة التشكيك، لأن أفضل طريقة لبناء الثقة ليست مطالبة المواطن بأن يصدق، وإنما أن تكون البيانات والمعادلة والأرقام متاحة له حتى يستطيع أن يفهم ويقارن.

من حق المواطن أن يسأل لماذا ارتفع السعر؟ ولماذا لم ينخفض؟ وكم بلغت الكلف العالمية وكم بلغت الكلفة الفعلية وكم عكست الحكومة منها وكم تحملت من الدعم؟ لكن في المقابل، من المهم ألا تتحول الأسئلة المشروعة إلى استنتاجات مسبقة أو اتهامات بلا أرقام، فالشفافية الحقيقية لا تعني فقط إعلان السعر الجديد في نهاية كل شهر، بل أن يُقال بوضوح: هذا هو متوسط السعر العالمي، هذه هي الكلفة الفعلية وفق المعادلة، هذه هي المكونات المحلية، هذا هو مقدار الضرائب والرسوم، هذا هو مقدار الدعم أو فرق الكلفة الذي تحملته الدولة، بالتالي، هذا هو السعر النهائي الذي سيدف
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم