في الحياة السياسية، يظلّ حق النائب في الرقابة والمساءلة وطرح الثقة بالحكومة حقاً دستورياً لا جدال فيه، بل هو من صميم العمل النيابي السليم، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بجدية أكبر: متى تكون ممارسة هذا الحق رقابةً مسؤولة، ومتى تتحول إلى شعبوية إعلامية تبحث عن التصفيق أكثر مما تبحث عن تصحيح المسار؟
ما نسمعه هذه الأيام من بعض الأصوات النيابية، في سياق الهجوم المتكرر على الحكومة والحديث عن طرح الثقة، لا يبدو في كثير من الأحيان متناسباً مع حجم القضايا المطروحة، بقدر ما يبدو أقرب إلى زوبعات في فنجان سياسي؛ ترتفع ضجيجاً في المشهد، ثم سرعان ما تخفت عندما نضعها أمام سؤال الإنجاز الحقيقي ومصلحة الدولة.
ولست هنا في موقع الدفاع عن الحكومة لمجرد الدفاع، ولا في موقع منحها صكاً على بياض؛ فالحكومة تُحاسب، والوزير يُسأل، والقرار العام يجب أن يكون دائماً تحت عين الرقابة. لكن الإنصاف يقتضي أيضاً أن تكون المحاسبة مبنية على الوقائع، وأن يُقاس الأداء بما تحقق على الأرض، لا بما يصلح عنواناً عابراً على منصات التواصل الاجتماعي.
والسؤال الأهم لبعض السادة النواب: هل نظرتم إلى محافظاتكم قبل أن ترفعوا أصواتكم ضد الحكومة؟ هل ذهبتم إلى المشاريع التنموية التي تُنفذ في محافظاتكم؟ هل تابعتم ما أُنجز وما هو قيد التنفيذ؟ هل سألتم عن الاستثمارات التي استقطبت، والطرق والمرافق والخدمات التي تحسنت، والمشاريع التي بدأت تتحول من وعود مكتوبة إلى واقع يراه المواطن؟ النائب الذي يمثل محافظة أو دائرة انتخابية لا يُفترض أن يكون دوره محصوراً في تسجيل موقف سياسي مرتفع الصوت، وإنما أن يكون عين المواطن على الحكومة، ولسان حاجاته، وشريكاً في دفع عجلة التنمية، ثم يحاسب الحكومة عندما تقصر.
أما أن تتحول العلاقة بين النائب والحكومة إلى حالة دائمة من الاشتباك الإعلامي، بحيث يصبح كل قرار مادة للهجوم، وكل إجراء فرصة لإطلاق الاتهامات، وكل حديث عن الثقة وسيلة لإثبات الحضور؛ فهنا يفقد العمل النيابي شيئاً من جوهره، وتتحول الرقابة من أداة إصلاح إلى صناعة ضجيج.
والأغرب أن بعض الخطابات التي تهاجم الحكومة لا تقدم بديلاً واضحاً، فإذا كانت الحكومة مخطئة، فما البديل؟ وإذا كانت سياساتها فاشلة، فما الخطة المقترحة؟ وإذا كانت المشاريع غير كافية، فأين المشاريع البديلة؟ وإذا كان المطلوب تغيير النهج، فما النهج الذي سيحقق للمواطن فرص العمل والاستثمار والتنمية؟ السياسة ليست رفع الصوت… السياسة مسؤولية.
ومن يقرأ بين سطور بعض هذه المواقف، قد يلمس أهدافاً تتجاوز موضوع الثقة ذاته؛ فهناك من يبحث عن تسجيل حضور سياسي، ومن يريد صناعة صورة شعبية، ومن يحاول استثمار حالة التذمر الطبيعي لدى المواطنين، ومن يريد أن يضع نفسه في مقدمة المشهد بأي ثمن.
لكن المواطن الأردني، مهما كان حجم التحديات التي يواجهها، أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الموقف الذي يُبنى على قناعة وطنية، والموقف الذي يُبنى على حسابات اللحظة،،،الحكومة، في المقابل، ليست مطالبة بأن تدخل في سجال يومي مع كل صوت مرتفع، ولا أن تنفق وقتها في الرد على كل تصريح، المطلوب منها أن تعمل، وأن تترك للميدان مهمة الإجابة، وللإنجاز أن يتحدث، وللمواطن أن يحكم.
وهنا تحديداً تكمن قوة النهج الذي يفترض أن تُقاس به الحكومات: ماذا أنجزت؟ ماذا غيّرت؟ ماذا أضافت؟ وماذا تركت على الأرض؟ فالدولة لا تُبنى بالبيانات النارية، ولا تُدار بمنطق العناوين الرنانة، ولا تُقاس قوة النائب بعدد التصريحات التي يطلقها، ولا قوة الحكومة بعدد المؤيدين لها في الإعلام؛ وإنما تُقاس الدولة بقدرتها على تحويل الخطط إلى مشاريع، والمشاريع إلى فرص، والفرص إلى حياة أفضل للمواطن.
ومن حق النواب أن يختلفوا مع الحكومة، ومن واجبهم أن يراقبوها، بل ومن حقهم دستورياً أن يحجبوا الثقة عنها إذا امتلكوا من الأسباب ما يبرر ذلك، لكن الثقة ليست ورقة ضغط إعلامية، ولا أداة لتسجيل النقاط السياسية؛ إنها موقف سياسي كبير يفترض أن تسبقه قناعة أكبر من التصريح، وأعمق من العنوان.
أما الحكومة، فإن الدفاع عنها لا يكون بالخطاب الإنشائي، وإنما بتذكير الجميع بأن الحكم على تجربتها يجب أن يكون من خلال الميدان والنتائج، فإذا كانت هناك أخطاء، فلتُسمَّ بأسمائها، وإذا كان هناك تقصير، فليُحدد موضعه، وإذا كانت هناك مشاريع متعثرة، فليُكشف سبب تعثرها، أما إطلاق الاتهامات العامة ورفع سقف الخطاب دون تقديم قراءة متكاملة للواقع، فذلك لا يصنع رقابة حقيقية، وإنما يصنع ضجيجاً سياسياً مؤقتاً.
وفي النهاية، قد تنجح الزوبعة في إثارة الغبار، لكنها لا تستطيع أن تحجب الشمس طويلاً، والشمس هنا هي مصلحة الأردن، وحق المواطن في التنمية، وحق الدولة في حكومة تعمل، وحق المجلس النيابي في رقابة مسؤولة، وحق الجميع في أن يكون الاختلاف السياسي وسيلة للبناء لا طريقاً للهدم.
فليكن السؤال: ماذا نريد من الحكومة أن تفعل؟ لا كيف نُسقط الحكومة وليس المهم من يرفع صوته أكثر، وإنما من يملك رؤيةً أعمق، وحجةً أقوى، وحرصاً أكبر على أن يبقى الأردن فوق الحسابات الصغيرة، وفوق شعبويات اللحظة، وفوق كل زوبعةٍ مهما ارتفع ضجيجها.
ما نسمعه هذه الأيام من بعض الأصوات النيابية، في سياق الهجوم المتكرر على الحكومة والحديث عن طرح الثقة، لا يبدو في كثير من الأحيان متناسباً مع حجم القضايا المطروحة، بقدر ما يبدو أقرب إلى زوبعات في فنجان سياسي؛ ترتفع ضجيجاً في المشهد، ثم سرعان ما تخفت عندما نضعها أمام سؤال الإنجاز الحقيقي ومصلحة الدولة.
ولست هنا في موقع الدفاع عن الحكومة لمجرد الدفاع، ولا في موقع منحها صكاً على بياض؛ فالحكومة تُحاسب، والوزير يُسأل، والقرار العام يجب أن يكون دائماً تحت عين الرقابة. لكن الإنصاف يقتضي أيضاً أن تكون المحاسبة مبنية على الوقائع، وأن يُقاس الأداء بما تحقق على الأرض، لا بما يصلح عنواناً عابراً على منصات التواصل الاجتماعي.
والسؤال الأهم لبعض السادة النواب: هل نظرتم إلى محافظاتكم قبل أن ترفعوا أصواتكم ضد الحكومة؟ هل ذهبتم إلى المشاريع التنموية التي تُنفذ في محافظاتكم؟ هل تابعتم ما أُنجز وما هو قيد التنفيذ؟ هل سألتم عن الاستثمارات التي استقطبت، والطرق والمرافق والخدمات التي تحسنت، والمشاريع التي بدأت تتحول من وعود مكتوبة إلى واقع يراه المواطن؟ النائب الذي يمثل محافظة أو دائرة انتخابية لا يُفترض أن يكون دوره محصوراً في تسجيل موقف سياسي مرتفع الصوت، وإنما أن يكون عين المواطن على الحكومة، ولسان حاجاته، وشريكاً في دفع عجلة التنمية، ثم يحاسب الحكومة عندما تقصر.
أما أن تتحول العلاقة بين النائب والحكومة إلى حالة دائمة من الاشتباك الإعلامي، بحيث يصبح كل قرار مادة للهجوم، وكل إجراء فرصة لإطلاق الاتهامات، وكل حديث عن الثقة وسيلة لإثبات الحضور؛ فهنا يفقد العمل النيابي شيئاً من جوهره، وتتحول الرقابة من أداة إصلاح إلى صناعة ضجيج.
والأغرب أن بعض الخطابات التي تهاجم الحكومة لا تقدم بديلاً واضحاً، فإذا كانت الحكومة مخطئة، فما البديل؟ وإذا كانت سياساتها فاشلة، فما الخطة المقترحة؟ وإذا كانت المشاريع غير كافية، فأين المشاريع البديلة؟ وإذا كان المطلوب تغيير النهج، فما النهج الذي سيحقق للمواطن فرص العمل والاستثمار والتنمية؟ السياسة ليست رفع الصوت… السياسة مسؤولية.
ومن يقرأ بين سطور بعض هذه المواقف، قد يلمس أهدافاً تتجاوز موضوع الثقة ذاته؛ فهناك من يبحث عن تسجيل حضور سياسي، ومن يريد صناعة صورة شعبية، ومن يحاول استثمار حالة التذمر الطبيعي لدى المواطنين، ومن يريد أن يضع نفسه في مقدمة المشهد بأي ثمن.
لكن المواطن الأردني، مهما كان حجم التحديات التي يواجهها، أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الموقف الذي يُبنى على قناعة وطنية، والموقف الذي يُبنى على حسابات اللحظة،،،الحكومة، في المقابل، ليست مطالبة بأن تدخل في سجال يومي مع كل صوت مرتفع، ولا أن تنفق وقتها في الرد على كل تصريح، المطلوب منها أن تعمل، وأن تترك للميدان مهمة الإجابة، وللإنجاز أن يتحدث، وللمواطن أن يحكم.
وهنا تحديداً تكمن قوة النهج الذي يفترض أن تُقاس به الحكومات: ماذا أنجزت؟ ماذا غيّرت؟ ماذا أضافت؟ وماذا تركت على الأرض؟ فالدولة لا تُبنى بالبيانات النارية، ولا تُدار بمنطق العناوين الرنانة، ولا تُقاس قوة النائب بعدد التصريحات التي يطلقها، ولا قوة الحكومة بعدد المؤيدين لها في الإعلام؛ وإنما تُقاس الدولة بقدرتها على تحويل الخطط إلى مشاريع، والمشاريع إلى فرص، والفرص إلى حياة أفضل للمواطن.
ومن حق النواب أن يختلفوا مع الحكومة، ومن واجبهم أن يراقبوها، بل ومن حقهم دستورياً أن يحجبوا الثقة عنها إذا امتلكوا من الأسباب ما يبرر ذلك، لكن الثقة ليست ورقة ضغط إعلامية، ولا أداة لتسجيل النقاط السياسية؛ إنها موقف سياسي كبير يفترض أن تسبقه قناعة أكبر من التصريح، وأعمق من العنوان.
أما الحكومة، فإن الدفاع عنها لا يكون بالخطاب الإنشائي، وإنما بتذكير الجميع بأن الحكم على تجربتها يجب أن يكون من خلال الميدان والنتائج، فإذا كانت هناك أخطاء، فلتُسمَّ بأسمائها، وإذا كان هناك تقصير، فليُحدد موضعه، وإذا كانت هناك مشاريع متعثرة، فليُكشف سبب تعثرها، أما إطلاق الاتهامات العامة ورفع سقف الخطاب دون تقديم قراءة متكاملة للواقع، فذلك لا يصنع رقابة حقيقية، وإنما يصنع ضجيجاً سياسياً مؤقتاً.
وفي النهاية، قد تنجح الزوبعة في إثارة الغبار، لكنها لا تستطيع أن تحجب الشمس طويلاً، والشمس هنا هي مصلحة الأردن، وحق المواطن في التنمية، وحق الدولة في حكومة تعمل، وحق المجلس النيابي في رقابة مسؤولة، وحق الجميع في أن يكون الاختلاف السياسي وسيلة للبناء لا طريقاً للهدم.
فليكن السؤال: ماذا نريد من الحكومة أن تفعل؟ لا كيف نُسقط الحكومة وليس المهم من يرفع صوته أكثر، وإنما من يملك رؤيةً أعمق، وحجةً أقوى، وحرصاً أكبر على أن يبقى الأردن فوق الحسابات الصغيرة، وفوق شعبويات اللحظة، وفوق كل زوبعةٍ مهما ارتفع ضجيجها.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات