د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: جامعات في صدارة التصنيف .. وخارج قوائم الاعتراف: المكانة العالمية شيء .. والاعتراف والمعادلة شيء آخر

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10130
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: جامعات في صدارة التصنيف ..  وخارج قوائم الاعتراف: المكانة العالمية شيء ..  والاعتراف والمعادلة شيء آخر
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

قد يقرر طالب من تلقاء نفسه أن يكمل البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه في جامعة خارج بلده، أو تأتيه منحة إلى جامعة ذات اسم كبير وتصنيف عالمي متقدم.

يسافر، ويدرس، ويتعب، ويناقش رسالته، ثم يعود بالشهادة والروب والصور.

وتبدأ الحفلات.

مباركات، وورود، ومنشورات، وربما خبر يقول: «فلان يحصل على الدكتوراه من إحدى الجامعات المتقدمة عالميًا».

وكل ذلك جميل، ويستحق صاحبه التهنئة على جهده.

لكن قد تأتي المفاجأة عندما يحمل الشهادة إلى الجهة المختصة بالاعتراف والمعادلة، فيكتشف أن الجامعة أو البرنامج أو نمط الدراسة أو شروط المؤهل لا تستوفي المتطلبات الوطنية اللازمة.

وعندها يصبح المشهد، بشيء من المرارة:

مبارك الشهادة.. وحظًا أوفر في الاعتراف!

وهنا ليست المشكلة في الطالب وحده، ولا في الجامعة، ولا في التصنيف.

المشكلة أحيانًا في الصورة التي نصنعها حول الأشياء قبل أن تكتمل حقيقتها.

فالتصنيف لا يعني الاعتماد، والاعتماد لا يعني تلقائيًا الاعتراف في كل دولة، ووجود اسم الجامعة في تصنيف عالمي لا يصدر بالنيابة عن الدولة قرار معادلة.

لكل واحد من هذه الأشياء وظيفته.

والأهم أن الاعتراف والمعادلة ليسا إجراءين بيروقراطيين لإزعاج الخريجين؛ بل جزء من حق الدولة في حماية منظومتها التعليمية والمهنية، ومن حق الطالب نفسه ألا ينفق سنوات من عمره ثم يكتشف متأخرًا أنه قرأ رقم الجامعة ولم يقرأ شروط شهادته.

وهنا يأتي دور الخطاب الإعلامي.

ليس المطلوب أن نتوقف عن الاحتفاء بالنجاح، ولا أن نفتش في أوراق كل خريج قبل أن نقول له «مبارك».

لكن عندما يتحول الخبر الفردي إلى رسالة عامة، أو تُستخدم عبارة «جامعة عالمية» و«جامعة متقدمة في التصنيف» وكأنها مرادف للاعتماد والاعتراف والمعادلة، فعلينا أن نكون أكثر دقة.

فالإعلام لا ينقل الخبر فقط؛ أحيانًا يصنع نموذجًا يقلده الآخرون.

قد يقرأ طالب في الثانوية خبرًا عن جامعة تتصدر تصنيفًا عالميًا، فيضعها غدًا على رأس خياراته. وقد ترى أسرة الاحتفاء بخريج منها فتطمئن، ثم تدفع ما ادخرته سنوات، من دون أن يخطر لأحد السؤال الأبسط:

هل الشهادة مستوفية لشروط الاعتراف والمعادلة؟

ولهذا، من مصلحة الوطن والطالب أن يصبح السؤال طبيعيًا، لا محرجًا.

أن نفرح بالتصنيف، لكن لا نقدمه بوصفه اعترافًا.

وأن نحترم الجامعة العالمية، لكن لا نفترض أن كل برنامج وكل نمط دراسة فيها مقبول تلقائيًا في كل نظام وطني.

وأن نقول للطالب منذ البداية: اسأل عن الاعتراف والمعادلة قبل أن تسأل عن ترتيب الجامعة.

لكن الإنصاف يقتضي أيضًا ألا نقلب الفكرة إلى الاتجاه الآخر.

فالاعتراف ليس شهادة تفوق، ولكنه يرتقي إلى أن يكون كرت أبيض.

أن تكون الجامعة معتمدة ومعترفًا بها ضرورة، لكن الجودة تبدأ بعد ذلك: ماذا تعلم الطالب؟ ما مستوى البرنامج؟ ما قوة الأستاذ؟ ما أثر البحث؟ وما قدرة الخريج على المنافسة؟

نحترم المكانة العالمية للجامعة داخل او خارج البلد، لكن التصنيف لا يعلو على معيار الدولة؛ فالعالمية تمنح المؤسسة مكانتها، أما الاعتراف والمعادلة فمسؤولية وطنية تحمي الطالب، وتصون قيمة المؤهل، وتحفظ جودة المنظومة التعليمية. وإذا اجتمع الاعتراف مع التصنيف المتقدم في جامعة واحدة، فذلك هو المبتغى؛ وكما يقول الأردنيون: «ما نزيد الملح إلا ملاح». فنحن لا نريد اعترافًا بلا طموح، ولا تصنيفًا بلا اعتراف؛ نريد جامعةً تحمي قيمة شهادتها، وتستحق مكانتها، وتنافس بها عالميًا..

ولهذا فإن وزارة التعليم العالي حين تضع قوائم الجامعات المعترف بها وشروط المعادلة لا تنافس التصنيفات العالمية، ولا تقول للطالب: لا تذهب إلى العالم.

هي تقول شيئًا أبسط وأهم:

اذهب.. ولكن اعرف قبل أن تذهب كيف ستعود.

وهذه في جوهرها ليست سياسة تضييق، بل سياسة حماية؛ حماية للطالب من قرار قد يكلفه سنوات، وحماية لسوق العمل، وحماية لقيمة الشهادة، وحماية لمعيار وطني ينبغي ألا يتغير لأن اسم الجامعة لامع أو ترتيبها مرتفع.

وفي المقابل، فإن قوة هذا المعيار الوطني تضع على جامعاتنا مسؤولية أكبر: أن تجعل الطالب يختارها لجودتها أيضًا، لا لأنها الطريق الأسهل إلى الاعتراف.

وهنا تستقيم المعادلة.

لا نغلق أبواب العالم.

ولا ننحني أمام كل رقم يأتي منه.

ولا نعطي جامعاتنا حصانة.

نحمي الاعتراف، ونرفع الجودة، ونستخدم التصنيف في مكانه الصحيح.

لذلك راقبوا الخطاب الإعلامي قليلًا.

احتفلوا بالمتفوقين، وصفقوا للجامعات التي تتقدم، وباركوا لكل من عاد بشهادة بعد سنوات من التعب.

لكن قبل أن نحول التصنيف إلى ختم اعتراف، تذكروا أن الطالب قد يسمع يومًا العبارة التي لا نريد لأي طالب أن يسمعها:

مبارك الشهادة... وحظًا أوفر في الاعتراف والمعادلة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم