م. وصفي عبيدات يكتب: عند الشدائد تحضر الأرواح… عبدالهادي باشا المجالي نموذجا

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11995
م. وصفي عبيدات يكتب: عند الشدائد تحضر الأرواح… عبدالهادي باشا المجالي نموذجا
المهندس وصفي عبيدات

المهندس وصفي عبيدات

عند الشدائد تحضر الأرواح ، وعندما تضطرب الموازين وتبهت صورة المؤسسات تستدعي الذاكرة رجالا مرّوا من هنا فتركوا في المكان هيبة وفي المنصب قيمة وفي ذاكرة الوطن أثرا لا تمحوه السنوات.

ولعل من هؤلاء الذين يحضرون بقوة في الذاكرة الوطنية عبدالهادي باشا المجالي ؛ القائد العسكري المهيب ورئيس مجلس النواب الذي ترك بصمة يصعب تجاوزها

والكتابة عن شخصية بحجم عبدالهادي باشا ليست استدعاء للماضي من باب الحنين ولا انتقاصا من أحد لمجرد المقارنة وإنما هي استحضار لنموذج في إدارة الدولة والمؤسسات حين كان المنصب يستمد هيبته من صاحبه بقدر ما يستمد صاحبه مكانته من المنصب

ما تولّى الباشا منصبا إلا وأضاف إليه هيبة ووقارا ،
عرفناه قائدا عسكريا حازما ، لكن تجربته في رئاسة مجلس النواب تستحق أن تُقرأ اليوم أكثر من أي وقت مضى

كان يرأس المجلس بهيبة القائد لا بعقلية المتسلط ، يعرف متى يتدخل ومتى يترك للنائب مساحته ومتى يحسم ومتى يستمع

كان يحترم النواب فيحترمونه ويحفظ للمجلس مقامه فيحفظون له مقام الرئاسة ، إذا تحدث أنصتوا وإذا أنصت تحدثوا

لم تكن المطرقة هي التي تمنحه الهيبة ولم يكن رفع الصوت طريقه إلى فرض النظام ولم يكن رفع الجلسات وسيلة للهروب من صعوبة إدارتها ، كانت شخصيته هي النظام واحترامه للآخرين مصدر احترامهم له ، وهنا يصبح استحضار التجربة مؤلما ونحن نشاهد أحيانا إدارة لمجلس النواب بعقلية لا تليق بمؤسسة يفترض أنها تمثل إرادة الشعب : تخبط في إدارة الجلسات واستعجال في إسكات النواب ورفع للجلسات لأسباب لا يفهمها المواطن ، وتعامل مع بعض المداخلات وكأن النواب طلاب في صف مدرسي لا ممثلون لأمة منحهم الدستور حق الكلام والرقابة والمساءلة فمجلس النواب ليس ثكنة عسكرية ورئيسه ليس قائدا يصدر الأوامر والنواب ليسوا جنودا ينتظرون الإذن بالكلام

والغريب أن عبدالهادي المجالي وهو العسكري والقائد ورجل الامن الوازن كان يدرك هذه الحقيقة جيدا ، فعندما دخل البرلمان ترك عقلية الأمر العسكري خارج القاعة وحمل معه من العسكرية الانضباط والهيبة والحزم لا التسلط والتجبر وهنا تكمن عظمة التجربة

وأنا لا أكتب عن الرجل من بعيد ولا من خلال ما قرأت أو سمعت فقط فقد تشرفت بالخدمة بمعيته وعرفته عن قرب ولو لفترة قصيرة ، وربما كان أكثر ما لفتني فيه ذلك التناقض الجميل بين هيبة القائد وتواضع الإنسان

ورغم فارق التجربة والرتبة لكنني كنت أشعر أن تواضعه لم يكن ينتقص من هيبته بل كان يزيدها ، كان قريبا ممن حوله يستمع ويحترم ويتعامل بإنسانية حتى أدركت أن تواضعه كان واحدا من أسرار قوته ، فالضعيف يحتاج إلى أن يستعرض سلطته أما القوي حقا فلا يحتاج إلى تذكير الناس كل لحظة بأنه قوي

وللإنصاف فإن كرسي رئاسة مجلس النواب بعد عبدالهادي باشا شهد تجارب متعددة لكنني أرى أن المهندس عاطف الطراونة كان من القلائل الذين امتلكوا قدرة واضحة على ضبط الجلسات وإدارة المجلس بانضباط وحضور دون أن تتحول الرئاسة إلى حالة من الفوضى أو الاستعراض

لقد اتعب عبدالهادي باشا المجالي من جاء بعده ، لأن بعض الرجال عندما يغادرون المنصب يتركون وراءهم معيارا ، وكل من يجلس على الكرسي من بعدهم يجد نفسه شاء أم أبى أمام ذلك المعيار

واليوم عندما نشاهد ما يجري تحت قبة البرلمان لا نستحضر عبدالهادي المجالي لنقول إن الماضي كان كاملا فلم يكن يوما كذلك ، وإنما لنقول إن هيبة المؤسسات لا تصنعها المطارق ولا الأصوات المرتفعة ولا كثرة رفع الجلسات بل تصنعها شخصية تعرف قيمة الموقع وتحترم من حولها وتحسن إدارة الاختلاف

رحم الله عبدالهادي باشا المجالي.
لقد غادر الرجل لكن بقيت مدرسته تقول لكل من يتولى موقعا عاما "لا تحاول أن تكبر بالكرسي ولكن كبيرا حتى يكبر الكرسي بك"
فعند الشدائد فعلا تحضر الأرواح
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم