فيصل تايه يكتب: التوجيهي ٢٠٢٦ .. النتيجة ظهرت والامتحان الحقيقي بدأ

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9243
فيصل تايه يكتب: التوجيهي ٢٠٢٦ ..  النتيجة ظهرت والامتحان الحقيقي بدأ
فيصل تايه

فيصل تايه

بعد مخاض طويل، انفضّ موسم الثانوية العامة لهذا العام؛ وخرجت النتائج، وتعالت الزغاريد، وعمّ الفرح البيوت ابتهاجاً بنجاح أبنائنا الطلبة. وفي هذه المناسبة، لا بد من أن نبارك للناجحين وأسرهم، وأن نتوجه بالشكر والتقدير إلى وزارة التربية والتعليم، وإدارة الامتحانات والاختبارات وكافة كوادرها، وإلى المعلمين والمعلمات باعتبارهم الركيزة الأساسية في التدريس والتوجيه الأكاديمي، وإدارات المدارس، وكل من أسهم في إنجاز هذا الاستحقاق الوطني الذي جاء حصيلة جهد مؤسسي متواصل، ومراجعات وتدقيقات ومسؤوليات كبيرة تحملتها كوادر عديدة حتى خرجت النتائج بصورتها النهائية.

لكن نتائج هذا العام تستحق قراءة مختلفة؛ فهي لا تأتي في نهاية موسم امتحاني تقليدي، وإنما تمثل أول حصاد لنظام جديد يقوم على السنتين والمسارات. ولذلك فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن في الأرقام وحدها، وإنما فيما يمكن أن تخبرنا به هذه الأرقام عن تجربة تربوية ما تزال في طور التشكل.

لقد بلغت نسبة النجاح العامة ٦٥,٣%، مقارنة بـ٦٢,٥% في العام السابق، وبلغت نسبة النجاح في المسار الأكاديمي ٦٨,١%، فيما بلغت في الحقول ذات التوجهات العلمية ٧٠%، وفي الحقول ذات التوجهات الإنسانية ٦٥,٤%، وسجل تخصص تكنولوجيا المعلومات ٧٩,٢%، وبلغ عدد الناجحين من طلبة الصف الثاني عشر ١١٦,٣٦٦ طالباً وطالبة. وهي مؤشرات إيجابية تستحق التقدير، لكن القراءة المهنية تقتضي ألا نحول ارتفاع نسبة النجاح إلى حكم نهائي على نجاح النظام الجديد؛ فالإصلاح التربوي أوسع من نتيجة امتحان، والنتائج الأولى تصلح لأن تكون مادة للتقييم، لا خاتمة للتقييم.

والانتقال من امتحان تتركز أعباؤه في سنة واحدة إلى نظام السنتين يفترض أن يخفف من مركزية الامتحان في حياة الطالب، ويتيح له مساحة زمنية أوسع للتعلم، ويقلل من وطأة "الفرصة الواحدة".

غير أن توزيع الامتحان على عامين لا يكفي وحده للقول إن الضغط قد انخفض؛ فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كان الطالب أصبح أكثر استقراراً في تعلمه، وأقل قلقاً، وأكثر قدرة على بناء معرفته بعيداً عن ثقافة الامتحان بوصفه غاية في ذاته. وهذه مسألة تحتاج إلى تقييم ميداني علمي، لا إلى الانطباع وحده.

أما المسارات، فهي تحمل فلسفة أعمق من مجرد تقسيم الطلبة؛ إذ تمنح المسارات المهنية والتقنية موقعاً متوازناً إلى جانب المسار الأكاديمي، وتفترض أن الطالب ليس نسخة مكررة عن غيره، وأن التعليم الجيد هو الذي يتيح له التقدم في اتجاه يتناسب مع ميوله وقدراته.

وسيكون الاختبار الحقيقي للتجربة في قدرتها على تحسين نوعية الاختيارات التعليمية، لا مجرد نسب النجاح. فبلوغ نسبة النجاح في تكنولوجيا المعلومات ٧٩,٢% يلفت النظر إلى مجالات تتقدم بسرعة في الاقتصاد الحديث، ويضعنا أمام مسؤولية تهيئة أبنائنا لعالم تتغير فيه المهن تحت تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.

ولم يعد كافياً أن نسأل الطالب: ماذا ستدرس؟ بل ينبغي أن نسأله أيضاً: لماذا اخترت هذا المجال؟ وما الذي تمتلكه من قدرات تؤهلك له؟ وكيف ترى مستقبله؟

وهنا تبدأ القضية الأكثر حساسية: اختيار التخصص الجامعي. فالقرار الرشيد لا ينبغي أن يُبنى على المعدل وحده، ولا على رغبة الأسرة، ولا على مكانة اجتماعية لتخصص معين، ولا على اتجاهات سوق العمل المتغيرة؛ بل عند نقطة التقاء بين ميول الطالب وقدراته، وطبيعة التخصص، واحتياجات سوق العمل.

وهذا يستدعي تفعيلاً جادًا لبرامج الإرشاد المهني في المدارس، والمعارض التعريفية، وأدوات التعرف إلى التخصصات وفرصها المستقبلية، حتى يكون القرار مستنداً إلى معرفة وأدوات عملية، لا إلى الانطباع والتقليد.

وهنا تتغير وظيفة الأسرة، لتصبح شريكاً في صناعة القرار بعد أن كانت في كثير من الأحيان شريكاً في صناعة القلق. دور الأهل أن يساعدوا الطالب على اكتشاف قدراته وتوسيع الخيارات أمامه، لا أن يختاروا عنه حياته.

وحين يأتي القرار من فهم حقيقي للقدرات والميول والفرص، يصبح المعدل وسيلة من وسائل الاختيار، لا عنواناً يختزل مستقبل الطالب كله.

أما من لم تحقق نتيجته ما كان يطمح إليه، فلا يجوز أن يتحول يوم النتائج إلى محاكمة اجتماعية له؛ فالعلامة تقيس أداءً في امتحان، ولا تختزل الإنسان بكل قدراته وإمكاناته. والطالب المرتفع المعدل يحتاج إلى توجيه يحسن استثمار نتيجته، كما أن من لم يحقق طموحه يحتاج إلى من يحفظ ثقته بنفسه، ويساعده على فهم تجربته، وإعادة ترتيب خياراته، ورؤية المستقبل من زاوية أوسع من نتيجة واحدة.

إن نتائج هذا العام تمنحنا فرصة مهمة لقراءة ما وراء الأرقام والتعلم من النتائج. لقد انتهى امتحان أبنائنا، لكن امتحاننا نحن بدأ الآن: امتحان قدرتنا على أن نحول النتيجة إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى تطوير حقيقي في التعليم.

فالنتيجة محطة وليست حكماً، ورقم وليست هوية، وبداية لمسار جديد وليست نهاية الطريق. وإذا كان نظام السنتين والمسارات قد جاء ليمنح الطالب مساحة أوسع وخيارات أكثر، فإن النجاح الحقيقي له سيكون في اليوم الذي يصبح فيه كل طالب أكثر قدرة على أن يعرف نفسه، ويفهم خياراته، ويختار مستقبله بوعي.

والله الموفق.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم