القضاه يكتب: التعديل الاضطراري فرصة لترشيق الحكومة وإعادة هندسة الإدارة العامة

منذ 1 يوم
المشاهدات : 21361
 القضاه يكتب: التعديل الاضطراري فرصة لترشيق الحكومة وإعادة هندسة الإدارة العامة
د.عبدالله محمد القضاه

د.عبدالله محمد القضاه

لا تُقاس أهمية التعديلات الوزارية بعدد الوزراء الذين يغادرون الحكومة أو ينضمون إليها، بقدر ما تُقاس بالمنطق الإداري والسياسي الذي يقف وراءها، وبالرسالة التي يوجّهها رئيس الوزراء من خلالها. فالتعديل الوزاري، في جوهره، ليس مجرد تغيير في الأسماء والمواقع، بل يمكن أن يكون أداة لإعادة ترتيب الأولويات، وتحسين الأداء، وتوضيح المسؤوليات داخل الجهاز الحكومي.
ومن هذا المنظور، يبدو التعديل المرتقب على حكومة دولة الدكتور جعفر حسان أقرب إلى تعديل تفرضه الضرورة منه إلى تغيير واسع في بنية الحكومة. فالسبب المباشر يتمثل في استقالة وزير العمل وما يترتب عليها من ضرورة سد الشاغر، فيما يرتبط السبب الآخر بإعادة تنظيم الاختصاصات الحكومية في ضوء تغيير مسمى وزارة التربية والتعليم، وإلغاء وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وإعادة توزيع اختصاصاتها.
وعليه، يمكن وصف التعديل المقبل بأنه تعديل إداري حكمي؛ أي إنه يأتي استجابة لتطورات موضوعية طرأت على هيكل الحكومة، وليس بوصفه تعديلاً سياسياً واسعاً يستدعي بالضرورة إدخال عدد كبير من الوزراء الجدد.
هنا تحديداً تبرز المقاربة الإدارية لرئيس الوزراء. فالمؤشرات لا توحي بأن الغاية هي إجراء تعديل لمجرد التعديل، أو استبدال وزير بآخر من دون مبرر يرتبط بكفاءة الأداء أو بإعادة تنظيم العمل الحكومي. لذلك، فإن السؤال الأهم لا ينبغي أن يكون: من سيدخل الحكومة ومن سيخرج منها؟ بل: كيف يمكن استثمار التعديل الضروري لإحداث تحسين حقيقي في بنية الحكومة وأدائها؟
وبما أن التعديل أصبح، بحكم الواقع، أمراً لا مفر منه، فإن الخيار الأكثر فاعلية يتمثل في ألا يقتصر على سدّ الشواغر، بل أن يتحول إلى فرصة لإجراء قدر محسوب ومدروس من الترشيق الحكومي وإعادة توزيع الاختصاصات.
والترشيق لا يعني بالضرورة خفض عدد الوزارات فحسب، بل يبدأ من معالجة التداخل في الصلاحيات، وتقليص حلقات اتخاذ القرار، وتوحيد المرجعيات في الملفات التي تتطلب طبيعتها التكاملية أن تكون تحت مظلة إدارية واحدة. فالحكومة الأكثر فاعلية ليست بالضرورة الأكثر عدداً، وإنما الأكثر وضوحاً في المسؤوليات والأسرع في اتخاذ القرار والأقدر على تحويل السياسات إلى نتائج ملموسة.
في هذا السياق، يبرز أحد السيناريوهات الإدارية المحتملة، والمتمثل في إسناد حقيبة الاقتصاد الرقمي والريادة إلى وزير الدولة لتطوير القطاع العام، بالإضافة إلى موقعه الحالي، تمهيداً للسير تدريجياً نحو جمع الاختصاصات المرتبطة بتطوير القطاع العام والاقتصاد الرقمي ضمن مظلة وزارية أكثر انسجاماً.
وإذا ما جرى اعتماد هذا الخيار، فإنه لن يكون مجرد جمع حقيبتين لدى وزير واحد، بل قد يشكّل خطوة باتجاه إعادة هندسة منظومة التحديث الإداري في الدولة. فالإدارة الحكومية الحديثة لم تعد قادرة على الفصل بين تطوير المؤسسات من جهة، ورقمنة أعمالها وخدماتها من جهة أخرى.
إن هندسة العمليات الحكومية، وتبسيط الإجراءات، وإعادة تصميم الخدمات، وأتمتة المعاملات، والربط الإلكتروني بين المؤسسات، والاستفادة من البيانات والذكاء الاصطناعي في دعم القرار، كلها مكونات متداخلة في منظومة إصلاح واحدة. ومن ثم، فإن وجود مرجعية حكومية واضحة تتولى تطوير المؤسسات ورقمنة الإجراءات وتحسين الخدمات العامة ومتابعة مسار التحول المؤسسي قد يكون أكثر اتساقاً مع متطلبات الإدارة الحديثة من تعدد المرجعيات وتوزع المسؤوليات.
وبعبارة أخرى، يمكن للتعديل الاضطراري أن يكون مدخلاً إلى ترشيق حكومي مقبول ومدروس، بدلاً من أن يتحول إلى مجرد عملية تدوير للمواقع الوزارية.
ثمة ملف آخر يستحق المراجعة، ويتمثل في أدوار وزراء الدولة وعدد المواقع المرتبطة بها. فاستحداث هذه المواقع قد يكون مبرراً في مراحل وظروف معينة، لكنه يصبح بحاجة إلى تقييم دوري عندما تتداخل المسؤوليات أو تتراجع الحاجة إلى بعض المواقع.
ومن منظور الإدارة العامة، لا يكمن السؤال في عدد وزراء الدولة الذين تحتاج إليهم الحكومة، بل في القيمة المضافة التي يقدمها كل موقع. فإذا كان الوزير يتولى ملفاً محدداً، ويتمتع بصلاحيات واضحة، وتُقاس مخرجاته ومؤشرات أدائه، فإن وجوده يصبح مبرراً وفاعلاً. أما إذا تحولت بعض المواقع إلى حلقات إضافية في الهيكل الحكومي من دون مسؤوليات تنفيذية محددة، فإن مراجعتها تصبح أمراً منطقياً وضرورياً.
لذلك، لا يُستبعد أن يستثمر رئيس الوزراء التعديل المقبل في تقليص عدد من مواقع وزراء الدولة، أو الاستغناء عن بعضها من دون تعيين بدلاء، إذا خلص التقييم إلى أن طبيعة المرحلة لا تستوجب استمرارها. فالمعيار الحقيقي لا ينبغي أن يكون الحفاظ على المواقع، بل ضمان كفاءة الهيكل الحكومي وقدرته على الإنجاز.
إن الترشيق الحقيقي لا يُقاس بعدد الوزراء الذين يغادرون الحكومة، وإنما بقدرة الحكومة بعد التعديل على العمل من خلال مرجعية أوضح، وقرارات أسرع، وتداخل أقل، ومسؤوليات أكثر تحديداً. كما أن نجاح أي تعديل لا يرتبط فقط بتوزيع الحقائب، بل بمدى انعكاس هذا التوزيع على جودة الخدمات العامة، وسرعة إنجاز الملفات، وتحسين التنسيق بين مؤسسات الدولة.
وفي نهاية المطاف، يكمن جوهر الإدارة الرشيدة في ألا تكتفي الحكومة بالتعامل مع الضرورات، بل أن تحوّل الضرورة إلى فرصة، والتعديل إلى إصلاح، وإعادة توزيع المواقع إلى إعادة هندسة حقيقية للعمل الحكومي. فالتعديل الوزاري الأكثر قيمة ليس ذلك الذي يغيّر الوجوه فحسب، وإنما الذي يترك أثراً واضحاً في طريقة إدارة الدولة وفي قدرتها على تحقيق نتائج أفضل للمواطنين.

د.عبدالله محمد القضاه / أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم