سوق سوداء تبيع أسرار المسؤولين في الصين .. قبل سقوطهم

منذ 48 دقيقة
المشاهدات : 18016
سوق سوداء تبيع أسرار المسؤولين في الصين ..  قبل سقوطهم
سرايا - في الصين، لم تعد المعلومات السرية عن حملات التطهير التي يقودها الرئيس شي جين بينغ مجرد أسرار داخل أروقة الحزب الشيوعي، بل تحولت إلى سلعة تباع وتتداول عبر مجموعات مغلقة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لمعلومة عن مسؤول أن تساوي المال والنفوذ قبل أن تعلن السلطات رسميًا فتح التحقيق معه.


فقد نشأت سوق سرية لتسريب معلومات عن المسؤولين الذين قد يكونون الهدف التالي لحملات التطهير، إذ ينشر مستخدمون غامضون تلميحات عن تحقيقات لم تعلن بعد، ثم يجنون المال إما ببيع الوصول إلى غرف دردشة مغلقة أو بجذب المشاهدات، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".

بل إن بعض المسؤولين يسربون المعلومات التي تنتقل بين عدة أطراف قبل إعادة بيعها عبر مجموعات إلكترونية، لتشكل "سلسلة توريد سرية وغير مشروعة"، حسب مجلة بانييتان التابعة لوكالة أنباء "شينخوا" الرسمية.

معلومات لها ثمن
لا يحتاج المسربون إلى ذكر اسم المسؤول المستهدف صراحة، فقد تكفي سيرة ذاتية أو صورة بينما يستخدم آخرون أسماء أو عبارات متشابهة في النطق مع اسم المسؤول، أو كلمات مشفرة يفهمها المتابعون.

أما رسوم الوصول إلى بعض غرف الدردشة التي تتداول هذه المعلومات فتتراوح بين عشرات اليوانات وعدة مئات، أي من بضعة دولارات إلى نحو 120 دولاراً.

فيما يعتمد آخرون على زيادة المشاهدات لتحقيق عائدات، لكن السوق تضم أيضًا معلومات مضللة، إذ قالت بانييتان إن بعض المستفيدين يبالغون في تفاصيل الفساد أو يختلقون فضائح لجذب الزيارات.

"توقعات" قبل السقوط
وفي إحدى الحالات، اكتشف محققون أن موظفًا حزبيًا في مدينة قوييانغ تعاون مع ستة من أقاربه لإدارة تسعة حسابات على "ويتشات"، كانت تنشر تلميحات بشأن ترقيات وتطهير مسؤولين قبل الإعلان عنها، وفق بانييتان.

وتكتسب هذه المعلومات قيمة كبيرة لأن الإخطار المبكر بالتحقيق يمكن أن يمنح المسؤول أو المقربين منه فرصة لتدمير الأدلة أو نقل أصول غير مشروعة أو الهرب، بينما يمكن لمطلعين الاستعداد لمناصب قد تصبح شاغرة، وقد يستخدمها مستثمرون للمراهنة على أسهم شركات يُحتمل تأثرها بإطاحة مسؤول، بحسب وول ستريت جورنال.

"سوق" التسريبات
فيما ربط باحثون صينيون بين تحقيقات الفساد واحتمال هبوط أسهم الشركات المرتبطة بالمسؤولين المستهدفين، وفق "وول ستريت جورنال".

ففي عام 2022، تراجع سهم بنك الصين التجاري بعدما أعلن الحزب التحقيق مع رئيسه السابق تيان هوييو.

كما خلصت دراسة أكاديمية صينية عام 2021 إلى أن تحقيقات مكافحة الفساد ترفع بدرجة كبيرة مخاطر انهيار أسعار أسهم الشركات المدرجة في المقاطعات التي يعمل فيها المسؤولون الكبار الخاضعون للتحقيق أو سبق لهم العمل بها، وفق وول ستريت جورنال.

الأخ "تسيهاو"
ومن أبرز الأمثلة على هذه السوق حساب صيني يعرف باسم "الأخ تسيهاو من غوانغدونغ".

ففي يوليو 2025، نشر حساب على"ويتشات" يحمل اسمًا يمكن ترجمته إلى "مخبر بحيرة يانغلان" صورة وسيرة ذاتية لتشو شيان وانغ، نائب حاكم هوبي السابق وعمدة ووهان السابق. وبعد يومين، ظهر منشور مشابه على "دويين" من حساب "الأخ تسيهاو".

ثم في اليوم التالي، أعلن جهاز الرقابة الداخلي الأعلى للحزب أن تشو يخضع للتحقيق بسبب مخالفات خطيرة. ثم طُرد من الحزب في يناير بسبب اتهامات بالفساد، وبدأت النيابة إجراءات جنائية بحقه، وفق وول ستريت جورنال.

وواصل "الأخ تسيهاو" نشر تلميحات سبقت إعلانات رسمية عن تحقيقات أخرى. وفي إحدى المرات، نشر صورة لمسؤول متقاعد في هونان إلى جانب رمز فنجان شاي، في إشارة على ما يبدو إلى التعبير المستخدم للدلالة على الاستجواب. وبعد نحو أسبوع، أعلنت السلطات فتح تحقيق معه.

كما نشر الحساب أسماء وصور ثلاثة مسؤولين آخرين قبل أن تعلن السلطات التحقيق معهم خلال الأسابيع التالية، بينما سبقت إحدى منشوراته في يوليو بشأن مسؤول في غوانغدونغ إعلان التحقيق معه بنحو أسبوعين، بحسب الصحيفة.

مطاردة الجواسيس
وبينما أشاد مستخدمو مواقع التواصل بدقة توقعات "الأخ تسيهاو"، رأت السلطات في هذه التسريبات دليلًا على وجود "جواسيس" داخل النظام يبيعون أسرار التحقيقات لتحقيق مكاسب مالية، وفق وول ستريت جورنال.

ولا تمثل المشكلة ظاهرة جديدة؛ فقد واجه الحزب منذ سنوات مسؤولين، بينهم مفتشو مكافحة الفساد، بتهمة تسريب أسرار التحقيقات مقابل رشى. وفي عام 2019، أعاد الحزب هيكلة جهازه التأديبي الأعلى للفصل بين الرقابة والتحقيق والمحاكمات الداخلية، بهدف منع تركيز سلطات يمكن استغلالها لتحقيق مكاسب شخصية.

مع ذلك، واصلت السلطات التحذير من وجود "جواسيس" وعناصر فاسدة داخل أجهزتها، وفرض الحزب في عام 2023 عقوبات رسمية على أكثر من 7800 مفتش تأديبي، وهو أعلى عدد سنوي يُسجل في عهد شي، بحسب وول ستريت جورنال.

لعبة القط والفأر
وتبدو محاولات إغلاق هذه السوق أشبه بلعبة "قط وفأر" إلكترونية؛ فعندما تغلق السلطات بعض حسابات "ويتشات"، ينتقل أصحابها إلى منصات أخرى مثل "دويين".

وقال أحد المحققين لمجلة بانييتان إن السلطات تفتقر إلى أساس قانوني للتحقيق مع أشخاص يكتفون بنشر السير الذاتية لمسؤولين على مواقع التواصل. وفي المقابل، دعت وسائل الإعلام الحكومية الصينية إلى تشديد الرقابة والعقوبات على تسريب المعلومات.

مفارقة شي
هذا وكشفت السوق السرية مفارقة في حملة شي جين بينغ ضد الفساد. فالحملة التي بدأت مع وصوله إلى السلطة عام 2012 تحولت إلى حملة دائمة أبقت المسؤولين تحت الرقابة وعززت سلطته، لكنها في الوقت نفسه رفعت قيمة المعلومات التي تسبق إعلان التحقيقات.

ومنذ أواخر 2012، عاقب الحزب أكثر من 7 ملايين شخص بسبب مخالفات شملت تلقي الرشى ومخالفة السياسات وتسريب الأسرار، بينما عاقب العام الماضي 983 ألف شخص، وهو أعلى رقم سنوي على الإطلاق، وفق وول ستريت جورنال.

وبينما تواصل بكين مطاردة مسربي أسرار حملات التطهير، تبقى المعلومة الأكثر قيمة هي تلك التي تصل قبل الإعلان الرسمي، لتتحول في الظل إلى تجارة لها زبائن وأسعار وأرباح!
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم