نوفل يكتب: الشرق الأوسط الجديد: تحالفات تتبدل وإسرائيل تراقب بقلق

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 10948
 نوفل يكتب: الشرق الأوسط الجديد: تحالفات تتبدل وإسرائيل تراقب بقلق
الصيدلي عدوان قشمر نوفل

الصيدلي عدوان قشمر نوفل

لم يعد الشرق الأوسط يتحرك وفق القواعد القديمة. التحالفات التقليدية بدأت تتغير، والدول لم تعد تضع أمنها ومستقبلها في يد قوة واحدة، مهما كانت عظيمة. وفي قلب هذا التحول يبرز الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، بالتزامن مع مؤشرات على استنزاف جزء مهم من المخزونات العسكرية الأميركية، وارتفاع مستوى القلق في إسرائيل من شكل جديد للمنطقة.

التحالف بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد لا ينبغي النظر إليه فقط بوصفه اتفاقًا عسكريًا. الأهم أنه يعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي. السعودية لا تتخلى عن الولايات المتحدة، لكنها لم تعد تريد الاعتماد عليها وحدها. ولهذا فهي توسع علاقاتها مع الصين، وتتحاور مع إيران، وتعزز تعاونها مع باكستان، وتفتح المجال أمام تركيا لتصبح شريكًا أمنيًا وعسكريًا مهمًا.

هذه السياسة تكشف أن المنطقة دخلت عصر تعدد التحالفات. لم يعد السؤال: مع من تقف هذه الدولة؟ بل: كم حليفًا وشريكًا تستطيع أن تجمع في الوقت نفسه؟

تركيا بدورها تتحرك بسرعة. فهي عضو في الناتو، لكنها في الوقت نفسه تبني نفوذًا مستقلًا في سوريا والعراق وأفريقيا والخليج. كما طورت صناعاتها العسكرية، وأصبحت تقدم نفسها ليس فقط كقوة سياسية، بل أيضًا كقوة قادرة على توفير الأمن والسلاح والتدريب.

أما باكستان، فهي تضيف إلى هذا المثلث قوة عسكرية كبيرة ومكانة نووية وعلاقات قديمة مع السعودية، إلى جانب شراكتها الاستراتيجية مع الصين.

لماذا تقلق إسرائيل؟

القلق الإسرائيلي لا يأتي فقط من احتمال تحول هذا التحالف إلى جبهة معادية، فهذا غير مؤكد حتى الآن. القلق الأعمق هو أن المنطقة بدأت تبني خيارات أمنية لا تمر بالضرورة عبر إسرائيل أو الولايات المتحدة.

وخلال سنوات طويلة، اعتمدت إسرائيل على عاملين أساسيين: التفوق العسكري، وضعف التنسيق بين الدول المحيطة بها. لكن إذا بدأت هذه الدول ببناء شبكات من التعاون العسكري والسياسي، فإن جزءًا من هذا الواقع قد يتغير.

ولهذا بدأ بعض المحللين الإسرائيليين يتحدثون عن احتمال تشكل «حلقة نار» جديدة حول إسرائيل، تختلف عن الحلقة الإيرانية السابقة. ليس المقصود وجود جبهة موحدة جاهزة للحرب، بل شبكة مصالح وتحالفات قد تحد من حرية الحركة الإسرائيلية وتزيد من كلفة أي مواجهة مستقبلية.

أميركا ليست خارج المشهد… لكنها مرهقة

في الوقت نفسه، تكشف التقارير الأميركية عن أزمة أخرى لا تقل أهمية: استنزاف كميات كبيرة من الذخائر والصواريخ الاعتراضية، ودعوة البنتاغون الشركات العسكرية إلى رفع الإنتاج بصورة سريعة.

هذه المسألة تتجاوز النقص في المخازن. فهي تعكس حقيقة أن الحروب الحديثة تستهلك السلاح بسرعة هائلة، بينما تحتاج المصانع إلى وقت طويل لتعويضه.

والولايات المتحدة، رغم قوتها، أصبحت مطالبة بمتابعة ملفات متعددة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. لذلك بدأت دول المنطقة تفكر بطريقة مختلفة: ماذا لو لم تكن واشنطن قادرة على التدخل في كل أزمة؟ وماذا لو تأخرت المساعدة الأميركية أو أصبحت مشروطة؟

من هنا نفهم دوافع السعودية وتركيا وباكستان بصورة أوضح.

ما بين السطور

التحالف الجديد قد لا يكون موجهًا ضد إسرائيل بقدر ما هو موجه نحو مرحلة جديدة في المنطقة.

السعودية تريد أن تثبت أنها تملك بدائل.

تركيا تريد أن تصبح طرفًا أساسيًا في أمن الخليج والعالم العربي.

باكستان تريد توسيع دورها السياسي والاقتصادي والعسكري.

والولايات المتحدة تريد الحفاظ على نفوذها من دون أن تتحمل وحدها جميع أعباء المنطقة.

أما إسرائيل، فهي تخشى أن تجد نفسها أمام شرق أوسط أكثر استقلالًا، وأكثر تنظيمًا، وأقل اعتمادًا على الحماية الأميركية التقليدية.

وربما تكون سوريا أول مكان يظهر فيه هذا الصراع الجديد بوضوح. فزيادة النفوذ التركي هناك، ولا سيما في المجال العسكري والدفاع الجوي، يمكن أن تضيق حرية الحركة الإسرائيلية، وتفتح الباب أمام احتكاك مباشر أو غير مباشر بين أنقرة وتل أبيب.

لكن الصراع في المرحلة القادمة قد لا يكون حربًا شاملة بالضرورة. قد يكون صراعًا على النفوذ، والقواعد، والرادارات، والتحالفات، والممرات البحرية، والاقتصاد، والتكنولوجيا العسكرية.

الخلاصة

ما يجري ليس تبديل تحالف بتحالف آخر، بل انتقال إلى نظام إقليمي جديد.

الولايات المتحدة باقية، لكنها لم تعد الطريق الوحيد.

تركيا تتقدم.

السعودية توسع هامش استقلالها.

باكستان تدخل أعمق في معادلات الشرق الأوسط.

وإسرائيل تراقب بحذر لأنها تدرك أن الخطر الحقيقي قد لا يكون في قيام تحالف مباشر ضدها، بل في نشوء منطقة تستطيع بناء توازناتها من دون أن تكون إسرائيل مركزها أو الولايات المتحدة ضامنها الوحيد.

وهذه هي الجغرافيا السياسية الجديدة التي بدأت تتشكل أمام أعيننا.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم