وليد معابرة يكتب: من هون ودِزّ

منذ 16 ساعة
المشاهدات : 18346
وليد معابرة يكتب: من هون ودِزّ
‏الكاتب الساخر وليد معابرة

‏الكاتب الساخر وليد معابرة

أما قبل؛ فإن هناك نوعاً من أنواع البشر يتعاملون مع المعلومات المعرفية والثقافية كما يتعامل موظف شركات التوصيل التي توزع طرود الشحن؛ حيث إن وظيفة العامل فيها لا تسمح له أن يفتح تلك الطرود لمعرفة محتواها، لأنه لا يعتني كثيراً إذا كان يحمل في صندوق التوزيع دواءً أم متفجرات، فكل ما يهمه أن تصل الشحنة إلى الزبائن كما استلمها من أرض الشركة! وهكذا يفعل كثيراً من الجهلة عند تناول الموضوعات أو المعلومات الثقافية؛ فهم يستقبلونها من هنا؛ ويَدِزّوُنها إلى هناك دون تحقيق أو مراجعة لمصدرها.

وأما بعد؛ فإنه من المعروف أنَّ الجاهل لا يُحب الصمت؛ وإنه يتنكر دائماً بزي الثقافة! لذلك تجد أنه ما أن يسمع عبارة "اكتشف العلماء" حتى يهزّ رأسه بإجلال وتوقير؛ ليخرج في المساء فيعيد تلاوتها على الجالسين في القهاوي أو الدواوين الشعبية؛ وكأنه كان عضواً في فريق البحث العلمي الذي اكتشف المعلومة، أو أنه أحد المحكمين الذين حكموا الدراسة! وإذا سألته عن المضمون الدقيق للاكتشاف؛ تلعثم! وإن حاورته حول مصدره؛ أشار إليك إلى فيديو من أحد المؤثرين على الانترنت! بل إن حاولت أن تختبره في تفسير مصطلح واحد من المصطلحات التي يرددها؛ تجد أنَّ قاموسه العلمي أو الثقافي لا يتجاوز مفهوم الضغط على "زر إعادة الإرسال" المتواجد في الهواتف الذكية.

إنَّ هؤلاء الجهلة لا يفرقون بين العلم والإعجاز العلمي، ولا يعرفون ماذا تعني كلمة إعجاز، فهم على استعداد تام لتصديق أي خبر إذا قيل لهم همساً في الأذن، إضافة إلى أنهم مستعدون لتحويل أيَّة معلومة إلى إعجاز، وأي إشاعة إلى حقيقة، فضلاً عن أنهم يتعاملون مع أي مقطع فيديو ينتهي بموسيقى حماسية وكأنَّه بيان صادر عن مؤسسة أكاديمية عريقة وذات التأثير العالمي.

لقد بات واضحاً أن بعض الناس يظنون أن التصفيق للمعلومة الجديدة؛ هي فهم لها، وأن تكرارها عبر مواقع التواصل الاجتماعي هو دليل على صحتها، وأن كثرة المشاركات تغني عن التحقق؛ وكأن الحقيقة تقاس بعدد مرات النسخ واللصق والمشاركة والإعجابات، لا بعدد الأدلة والبراهين العلمية.

إن أخطر ما في الجاهل أنه لم يعد يعترف بأنه جاهل، ففي الماضي كان الجاهل يصمت أمام العلماء، أما اليوم فهو يناقشهم في تخصصاتهم الدقيقة، ويصحح لهم معلوماتهم التي ابتلعوها من خلال "شاحنة كبيرة محملة بالكتب والمخطوطات"، فالجاهل أصبح يتهم العالم ويصفه بالمتخلف إذا خالف ما تم تداوله في الفيديوهات التي شاهدها قبل عشر دقائق! لأنه بكل تجرَّد أصبح يشعر أنَّ هاتفه الذكي يمنحه شعوراً بأنه يحمل مكتبة الكون، في حين أنه لا يحمل سوى بطارية فارغة وثقة تزداد حين يشحن هاتفه.

لذلك؛ فإن الأغنية الشعبية التي تغنى في الأعراس كانت أكثر صدقاً من كثير من المحاضرات الحديثة حيث إنها لخصت عقلية الجاهل وأطلقت تعريفاً دقيقاً حول منهجه العملي بالتعامل مع المعرفة والثقافة، تتلخص في الاستقبال بلا فهم، والتوزيع بلا تمحيص، والثقة بلا علم.

خلاصة القول: إنَّ أكثر ما يُرعبني ليس كثرة الجهل، بل أن يمنح الجهل صفة العلم، وأن تتحول الأكاذيب إلى حقائق بمجرد كثرة تداولها، وأن يصبح العقل مجرد ممر لعبور المعلومات لا أداة للتمييز ومحطة لتحكيم المعلومات، يومئذ لن نموت من نقص المعرفة، لكننا سنموت من فائق الخرافة، فضلاً عن أنَّ العلم لن يسقط بسبب أعدائه، بل سيسقط بسبب الذين يرفعون شعاره وهم لا يفهمون منه شيئاً سوى أنهم يمارسون المنهج العلمي في نقل المعلومة على طريقة الأغنية الشعبية التي تختصر طريقة الدعوة بجملة: "من هون ودِزّ".
الكاتب وليد معابرة
قاتل البحر الميت
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم