العدوان والمؤسس: سردية وطن تُبنى على شراكة العشيرة والدولة

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 9798
العدوان والمؤسس: سردية وطن تُبنى على شراكة العشيرة والدولة
د. علي فواز العدوان

د. علي فواز العدوان

في تاريخ الدول، لا تُبنى المؤسسات على القرارات الإدارية وحدها، بل تُبنى على إرادة اجتماعية تتجسد في مواقف الزعامات التي تدرك أن مصير القبيلة لم يعد منفصلاً عن مصير الدولة. ومن هذا المنطلق، تبرز صفحةٌ محوريةٌ في السردية الأردنية، حين وقف أركان العدوان إلى جانب الأمير عبدالله بن الحسين — رحمهما الله — في تلك الفترة الحرجة التي كانت فيها إمارة شرق الأردن تخطو خطواتها الأولى نحو استقرار الكيان وبناء الدولة.
البلقاء تبايع المؤسس: لقاءٌ يتجاوز المجاملة إلى الشراكة
في العاشر من حزيران عام 1922، توجه وجهاء وعرب البلقاء إلى لقاء الأمير عبدالله بن الحسين، وعلى رأسهم شيخ مشايخ البلقاء سلطان باشا العدوان وابنه ماجد. لم يكن ذلك اللقاء مجرد زيارة بروتوكولية أو مبايعة شكلية، بل كان تتويجاً للشراكة التاريخية بين زعامة البلقاء ورؤية الهاشميين في بناء دولة تحمل في طياتها روح القبيلة ونهج التأسيس لدولةالإمارة ثم المملكة .
لقد كان العدوان زعماء البلقاء بلا منازع، ولم يكونوا يطلبون الحماية بقدر ما كانوا يقدمون الولاء المبني على رؤية مشتركة لدولة ترتقي بالبلاد من حكم العشيرة المجتزأ إلى مؤسساتٍ تحكم بالقانون وتصون الحقوق.

القلطة: مؤسسة اجتماعية راسخة وحكمة العرف
إن من أبرز ما تمتع به العدوان عشائرياً وحضارياً ما يُعرف بـ "القلطة"، تلك السلطة العرفية التي يُناط بها حل النزاعات المستعصية بين القبائل والخصوم. والقلطة في العرف البلقاوي والأردني ليست مجرد وساطة عابرة، بل هي مؤسسة اجتماعية راسخة يتولىها "راعي القلطة" أو "المنشد"، ذلك الرجل الذي يملك سداد الرأي وحسن التدبير، فيجلس الخصوم على بساطه، ويخرجون وقد "تصفت قلوبهم" و"رُتق خرقهم".
لقد كان أركان العدوان من أشهر من تولوا هذه المهمة في البلقاء، ولم تكن القلطة عندهم مجرد حل للنزاعات، بل كانت مدرسةً للمواطنة، يتعلم فيها الناس أن الحقوق لا تُنتزع بالسيف فحسب، بل تُسترد بالحكمة والحوار. وهذا العرف العميق هو ما مكنهم من فهم أن بناء الدولة يتطلب انتقالاً من ثقافة الفوضى العشائرية إلى ثقافة القانون والمؤسسة.
الوقوف ضد بقايا الجاهلية: موقفٌ تاريخيٌّ يستحق التسجيل
في تلك الفترة الحرجة من تأسيس الإمارة، كان الأردن يعاني من بقايا عادات الجاهلية التي كانت تهدد النسيج الاجتماعي للبلاد الناشئة. ومن أخطر تلك العادات: الغزو والعبودية وثقافة الاقتتال الداخلي التي كانت تُضعف أي مشروع دولة.
هنا برز دور العدوان بجلاء. فزعامتهم لم تكن قائمة على تغذية الخصومات القبلية، بل على ردعها ومنعها لقد وقفوا جنباً إلى جنب مع الأمير عبدالله آنذاك في وجه تلك الممارسات، مدركين أن بناء الدولة يتطلب انتقالاً حضارياً لا يمكن أن يتم دون تضحيةٍ من رجالات العشيرة الذين يضعون المصلحة الوطنية فوق المصلحة القبلية الضيقة. ولم يكن ذلك موقفاً سهلاً في مجتمعٍ كانت فيه العشيرة تمثل السلطة القصوى، بل كان موقفاً تاريخياً يستحق أن يُسجل في السردية الوطنية بأحرف من نور.
ومن العادات التي شغلت الرأي العام الأردني في السنوات الأخيرة، يبرز "عرف الجلوة"، ذلك العرف العشائري الذي يقضي بإبعاد أقارب الجاني حتى الجد الخامس أحياناً عن أماكن سكناهم.
إن إعادة قراءة هذا العرف ضمن خطاب تاريخي ينطوي تحت السردية الأردنية تقتضي التمييز بين الوظيفة الاجتماعية التي كانت للجلوة في الماضي، حيث كانت تهدف إلى "تهدئة نفوس أهل المجني عليه" في ساعات "فورة الدم" الأولى، وبين تطبيقاتها المعاصرة التي قد تمسّ بمبدأ المسؤولية الفردية الجنائية.
لقد أدرك الأمير عبدالله آنذاك ومن معه من رجالات الدولة والعشيرة أن بناء الثقافة الوطنية يتطلب تجاوز بعض الأعراف القديمة التي كانت تتعارض مع روح القانون الحديث. ومن هنا، جاء قانون محاكم العشائر لعام 1924، ثم قانون 1936، وصولاً إلى إلغاء القوانين العشائرية عام 1976، في مسار تاريخي واضح نحو تعزيز دولة القانون.
إن السردية الأردنية كما يُعبّر عنها مشروع توثيق "الأرض والإنسان" الذي تبنته وزارة الثقافة الأردنية ليست مجرد جمع للتواريخ والتوثيقات، بل هي مشروع هوية يهدف إلى "تجسيد قصة الأردن" و"تعزيز الوعي بالهوية الوطنية".
وفي قلب هذه السردية، تبرز شخصياتٌ كـ ماجد العدوان أمير البلقاء الذي قاد الحركة الإصلاحية في 1923 مطالباً بـ"الأردن للأردنيين" وبمجلس نيابي وجيش وطني، ثم عاد ليصبح من أقرب رجالات الملك عبدالله، حتى دُفن في المقابر الملكية بناءً على طلب الملك نفسه.
إن إعادة قراءة تاريخ العدوان مع المؤسس، ليست مجرد استعادة لذاكرة عشائرية، بل هي استعادة لذاكرة وطنية تؤكد أن بناء الأردن كان نتاج شراكة حقيقية بين الهاشميين وزعامات البلاد. فالعدوان، بزعامتهم وقلطتهم وموقفهم الحاسم من العادات الجاهلية، كانوا ركيزةً من ركائز الدولة في فترةٍ كانت فيها الحاجة ماسّة إلى كل ركيزة.
ولعل في هذه الصفحة التي تُضاف إلى سجل السردية الأردنية درساً بليغاً: أن التاريخ لا يُكتب بالسياسة فحسب، بل يُكتب أيضاً بـ أخلاق العشيرة، وحكمة القلطة، وولاء الرجال للكيان الذي يحملون في كنانه روحهم وتاريخهم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم