زريقات تكتب: الحق في الحياة ليس مكافأة لمن يلتزم بمعايير المجتمع

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 7019
زريقات تكتب: الحق في الحياة ليس مكافأة لمن يلتزم بمعايير المجتمع

المحامية نسرين زريقات

هناك شيء يؤلمني في كل مرة أسمع فيها عن مقتل امرأة، ولا يتعلق فقط بالجريمة نفسها.
يؤلمني ما يأتي بعدها.
تبدأ الحكاية بخبر عن امرأة فقدت حياتها، ثم بدل أن نتوقف أمام فاجعة إنسانية ونسأل عن الحقيقة والعدالة، يبدأ سيل من الأسئلة عن المرأة نفسها.
من كانت؟
كيف كانت تعيش؟
مع من كانت تتحدث؟
ماذا كانت تفعل؟
هل أخطأت؟
وماذا عن أهلها؟
وكأننا، كمجتمع، لا نستطيع أن نحزن على امرأة إلا بعد أن نتأكد أنها كانت تستحق الحزن.
وكأن حقها في الحياة كان مشروطًا بأن تعيش وفق الصورة التي رسمناها لها.
لماذا نقتل المرأة مرة بجريمة، ثم نقتلها مرة أخرى بألسنتنا؟
في كل جريمة قتل لامرأة، لا تنتهي المأساة عند فقدان حياتها. أحيانًا تبدأ مأساة أخرى بعدها؛ حين تنتشر الإشاعات والتكهنات والروايات غير الموثقة حولها وحول أسرتها.
فيجد أهل الضحية أنفسهم مضطرين للدفاع عنها.
أي ظلم أكبر من هذا؟
أن تفقد الأسرة ابنتها، ثم بدل أن تترك لها مساحة للحزن، تجد نفسها في مواجهة مجتمع يريد أن يعرف كل شيء، ويحلل كل شيء، ويصدر أحكامه قبل أن تظهر الحقيقة.
المرأة المقتولة لا تحتاج إلى محامٍ عن أخلاقها. تحتاج إلى عدالة.
حتى لو أخطأت، حتى لو اختلفنا مع خياراتها، حتى لو لم تعجبنا طريقة حياتها، لا شيء من ذلك يمنح إنسانًا آخر الحق في قتلها.
الحق في الحياة ليس مكافأة لمن يلتزم بمعايير المجتمع.
وهو ليس امتيازًا يسقط عندما تختلف المرأة مع توقعات الآخرين أو تختار لنفسها طريقًا لا يرضيهم.
الحق في الحياة حق أصيل، لا يُنتقص من قيمته بسبب اختلافنا مع صاحبه.
لماذا نحاكم النساء أكثر مما نحميهن؟
هذه ليست المرة الأولى التي أشعر فيها أن المرأة في مجتمعنا مطالبة بأن تبرر وجودها باستمرار.
نراقبها في حياتها.
نراقب لباسها.
نراقب خروجها.
نراقب عملها.
نراقب علاقاتها.
ثم، عندما تتعرض للعنف، نراقبها مرة أخرى، وكأننا نبحث عن شيء يمكن أن يجعل الجريمة مفهومة أو مبررة.
بينما السؤال الذي يجب أن يكون في مقدمة المشهد هو:
من مارس العنف؟
لماذا يتحول سلوك المرأة إلى محور الحديث، بينما يتحول سلوك المعتدي إلى تفصيل؟
لماذا نسأل المرأة التي تعرضت للعنف: «ماذا فعلتِ؟»، بدل أن نسأل: «كيف نحميكِ؟»
هذه ليست مجرد طريقة في طرح الأسئلة.
هذه ثقافة.
العنف لا يبدأ بالقتل
قتل المرأة قد يكون آخر حلقة في سلسلة بدأت قبل ذلك بوقت طويل.
إهانة.
تهديد.
تحكم.
عزل.
مراقبة.
ابتزاز.
عنف نفسي.
ثم اعتداء.
وفي كل مرحلة قد نجد من يقول:
«لا تكبّروا الموضوع».
«هو عصبي».
«هذه مشاكل بينهم».
«خلّوها داخل البيت».
لكن العنف الذي نسكت عنه لا يختفي.
والتهديد الذي نستهين به لا يصبح أقل خطورة لأنه قيل داخل منزل.
وأحيانًا يكون الفرق بين الخلاف والجريمة هو لحظة واحدة فقط.
لذلك، عندما تقول امرأة إنها خائفة، علينا أن نستمع إليها.
عندما تقول إنها مهددة، علينا أن نأخذ كلامها بجدية.
وعندما تطلب الحماية، لا يجوز أن يكون أول رد عليها: «ماذا سيقول الناس؟»
الذكورية ليست في الرجال... بل في الفكرة
لا أؤمن بتقسيم المجتمع إلى رجال مذنبين ونساء ضحايا.
هناك رجال يرفضون العنف، ويقفون إلى جانب النساء، ويربون أبناءهم على الاحترام والمساواة.
لكن هناك أيضًا أفكارًا ذكورية ما زالت موجودة في مجتمعنا، وتحتاج إلى مواجهة صريحة.
فكرة أن الرجل يجب أن يسيطر.
أن الغيرة تعني الحب.
أن المرأة يجب أن تطيع.
أن الرجل يملك حق اتخاذ القرار عنها.
أن رفض المرأة أو رغبتها في الانفصال يمكن أن تكون «إهانة» للرجل.
هذه الأفكار خطيرة.
لأنها تحول العلاقة الإنسانية من شراكة إلى سلطة.
وتجعل بعض أشكال السيطرة تبدو طبيعية، حتى تصل الأمور إلى العنف.
نحن بحاجة إلى أن نربي أبناءنا على معنى مختلف للرجولة.
الرجل القوي ليس من يخيف امرأة، بل من يجعلها تشعر بالأمان.
وماذا عن «الموروث»؟
ليس كل ما ورثناه خطأ.
لكن ليس كل ما ورثناه يجب أن يبقى كما هو.
هناك قيم جميلة في مجتمعنا: الأسرة، التكافل، الرحمة، حماية الضعيف، احترام الكبير، الوقوف إلى جانب المحتاج.
لكن هناك أيضًا بعض الأفكار التي يجب أن نمتلك الشجاعة لمراجعتها.
«لا تفضحي بيتك».
«تحملي من أجل الأولاد».
«ماذا سيقول الناس؟»
«خلي الموضوع بينكم».
هذه العبارات قد تبدو للبعض نصائح للحفاظ على الأسرة، لكنها تصبح خطيرة عندما تُقال لامرأة تتعرض للعنف أو تشعر بأنها مهددة.
لأن الأسرة التي نحمي شكلها على حساب حياة إنسانة، لا نحميها.
والستر الذي يحمي المعتدي من المساءلة ليس سترًا.
لا توجد سمعة عائلة أغلى من حياة إنسان.
والإشاعة تقتل أيضًا
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح بإمكان أي شخص أن يكتب جملة، فتنتشر خلال دقائق.
لكن خلف تلك الجملة إنسان.
وخلف الإشاعة أسرة.
وفي قضايا قتل النساء تحديدًا، قد تتحول الإشاعة إلى محاكمة كاملة للضحية.
نسمع رواية، ثم نضيف إليها من عندنا.
نقرأ تعليقًا، ثم نبني عليه قصة.
ثم تتحول التكهنات إلى «حقائق» يتداولها الناس.
وفي النهاية، تجد أسرة الضحية نفسها مضطرة للدفاع عن ابنتها.
أليس هذا ظلمًا آخر؟
اتركوا للجهات المختصة أن تقول الحقيقة.
لا تجعلوا وسائل التواصل الاجتماعي محكمة.
ولا تجعلوا حزن الأسر مساحة للفضول.
ولا تجعلوا حياة امرأة فقدت قدرتها على الدفاع عن نفسها مادة للحديث.
ماذا نحتاج أن نفعل؟
إذا كنا جادين في وقف مسلسل قتل النساء، فلا يكفي أن نكتب منشورًا غاضبًا بعد كل جريمة.
نحتاج إلى عمل حقيقي ومستمر.
نحتاج إلى:
أولًا: التعامل الجاد مع كل بلاغ عنف أو تهديد، وتقييم مستوى الخطورة، وعدم انتظار وقوع الجريمة حتى نتحرك.
ثانيًا: توفير مسارات واضحة وآمنة للنساء لطلب الحماية والمساعدة.
ثالثًا: تعزيز التوعية القانونية والمجتمعية بحقوق النساء، وبمؤشرات العنف وسبل الوقاية منه.
رابعًا: وضع معايير مهنية واضحة للتغطية الإعلامية لجرائم قتل النساء، تمنع التشهير بالضحايا وتداول تفاصيل حياتهن الخاصة دون ضرورة.
خامسًا: مواجهة الإشاعات وخطاب لوم الضحية، وعدم السماح بتحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى محاكم تصدر أحكامها قبل اكتمال التحقيق.
سادسًا: مراجعة الخطاب التربوي والاجتماعي الذي يربط الرجولة بالسيطرة، ويطلب من النساء التحمل والصمت مهما كان الثمن.
سابعًا: دعم الدراسات والإحصاءات الوطنية حول قتل النساء والعنف الأسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي، لأن الوقاية تحتاج إلى معرفة دقيقة بأنماط الخطر.
ثامنًا: أن تتحول حماية النساء من قضية موسمية تظهر بعد كل جريمة إلى سياسة مستمرة تشترك فيها الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات القانونية والأمنية والمجتمع المدني.
كم مرة يجب أن تُقتل امرأة؟
هذا السؤال لا يفارقني.
كم مرة يجب أن نسمع عن امرأة قُتلت حتى نتوقف عن اعتبار كل جريمة حادثة منفصلة؟
كم مرة يجب أن تقول امرأة إنها خائفة حتى نأخذ خوفها بجدية؟
كم مرة يجب أن تدافع أسرة عن ابنتها بعد موتها حتى نفهم أن الإشاعة يمكن أن تكون ظلمًا آخر؟
كم مرة يجب أن نقول: «يا حرام» ثم نكمل حياتنا؟
أنا لا أريد أن أعتاد على هذه الأخبار.
لا أريد أن تصبح أسماء النساء أرقامًا.
ولا أريد أن ننتظر الجريمة حتى نكتشف أن هناك امرأة كانت تحتاج إلى أن يسمعها أحد قبل فوات الأوان.
نحن بحاجة إلى أن نغيّر السؤال.
بدلًا من أن نسأل:
«ماذا فعلت المرأة؟»
علينا أن نسأل:
«ماذا فعلنا نحن حتى نحميها؟»
وبدلًا من أن نبحث عن تفاصيل حياتها بعد موتها، علينا أن نبحث عن الحقيقة.
وبدلًا من أن ندافع عن سمعة الضحية أمام الإشاعات، علينا أن نحمي حقها في الخصوصية والكرامة.
وبدلًا من أن نغضب يومًا ثم ننسى، علينا أن نبني منظومة تمنع تكرار الجريمة.
كل امرأة تُقتل ليست مجرد رقم.
وراء كل اسم حياة كاملة، وأسرة لن تعود كما كانت.
ولذلك، أقل ما يمكن أن نفعله هو ألا نقتل المرأة مرة ثانية.
لا بالإشاعة.
لا بالتشهير.
لا بلوم الضحية.
ولا بالصمت.
فكم مرة تريد أن تُقتل امرأة حتى نتوقف عن عدّ الضحايا، ونبدأ فعلًا بتغيير الثقافة التي تسمح بتكرار الجريمة

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم