لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة تدخل إلى غرف الأخبار بل أصبح لاعبًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وصناعة الرواية. والخطير في الأمر أن كثيرًا من النقاشات لا تزال تدور حول سؤال قديم هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الصحفي؟ بينما السؤال الحقيقي الذي يجب أن يقلقنا هو من سيملك حق تشكيل وعي المجتمع إذا أصبحت الخوارزميات هي من تقرر ما نقرأ وما نشاهد وما نصدق؟
في الأردن، كما في العالم يعيش الإعلام مرحلة مفصلية. فالمؤسسات الصحفية لم تعد تنافس مؤسسات إعلامية أخرى فحسب بل أصبحت تواجه منظومات رقمية تنتج آلاف المواد في دقائق وتقرأ اهتمامات الجمهور، وتعيد تشكيل المحتوى وفق ما تريده الخوارزميات لا وفق ما يحتاجه المجتمع. وهنا يكمن الخطر لأن الإعلام عندما يفقد دوره في ترتيب أولويات القضايا الوطنية يترك هذا الدور لخوارزميات لا تعرف معنى المصلحة العامة ولا تدرك خصوصية المجتمع الأردني.
لقد غير الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة بالكامل. فالمعلومة لم تعد نادرة بل أصبحت فائضة لكن الحقيقة أصبحت أكثر ندرة من أي وقت مضى. وبين سيل الأخبار والصور والفيديوهات التي يمكن إنتاجها وتزييفها في ثوانٍ، أصبح التحقق هو العمل الصحفي الأكثر قيمة وليس مجرد نقل الخبر.
الأزمة ليست في أن الذكاء الاصطناعي يستطيع كتابة خبر فهذه مهمة تقنية يمكن إنجازها بسهولة. الأزمة أن الخبر بلا سياق قد يصبح أداة تضليل وأن التحليل بلا فهم للواقع قد يصنع رأيًا عامًا مضللًا وأن السرعة إذا سبقت المسؤولية تحولت إلى خطر على المجتمع لا إلى إنجاز إعلامي.
ومن هنا فإن التهديد الحقيقي لا يواجه الصحفي المحترف بل يواجه المؤسسات الإعلامية التي ما زالت تعتمد على أنماط تقليدية في التفكير والإدارة. فالصحفي الذي يمتلك المعرفة والقدرة على التحليل والشجاعة في طرح الأسئلة لن تستبدله آلة لأن المهنة ليست كتابة كلمات بل صناعة ثقة. والثقة لا تُبرمج ولا تُولد من خوارزمية بل تُبنى بالمصداقية والاستقلالية والتراكم المهني.
لكن في المقابل فإن تجاهل الذكاء الاصطناعي خطأ لا يقل خطورة عن الاعتماد عليه بلا ضوابط. فالعالم يتغير بسرعة والإعلام الذي لا يستثمر في التكنولوجيا سيخرج من المنافسة ليس لأن الآلة أفضل منه بل لأنه رفض تطوير أدواته. إن الصحفي الذي لا يتقن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم قد يجد نفسه غدًا أقل قدرة على الوصول إلى المعلومةوأبطأ في تحليلها، وأضعف في تقديمها.
وفي الأردن لا يكفي أن نتحدث عن التحول الرقمي بوصفه شعارًا، بل يجب أن يتحول إلى مشروع وطني يبدأ من الجامعات وكليات الإعلام ويمر بالمؤسسات الصحفيةوينتهي بتشريعات تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي وتحاسب على إساءة توظيفه. فغياب الأطر القانونية والأخلاقية سيجعل التكنولوجيا سلاحًا ذا حدين يطور الإعلام من جهة، ويقوض الثقة به من جهة أخرى.
إن أخطر ما قد يواجه الإعلام الأردني ليس دخول الذكاء الاصطناعي بل أن يدخل إليه من دون رؤية ومن دون قواعد ومن دون استثمار في الإنسان. فالتقنية مهما بلغت من التطور تبقى أداة. أما القرار والقيمةوالضمير، فهي مسؤولية الإنسان وحده.
ولعل المفارقة الكبرى أن الذكاء الاصطناعي لن ينهي الصحافة لكنه قد ينهي الصحافة التي تخلت عن رسالتها. أما الصحافة التي تتمسك بالحقيقة وتستثمر في المعرفة وتواكب التطور دون أن تتخلى عن أخلاقياتهافستخرج من هذه الثورة أكثر تأثيرًا وأكثر حاجة للمجتمع.
لقد دخلنا عصرًا لم تعد فيه المعركة على سرعة نشر الخبر بل على حماية الحقيقة من الضياع. ومن يربح هذه المعركة لن يكون صاحب الخوارزمية الأقوى، بل صاحب الضمير المهني الأقوى والرؤية الأعمق والقدرة على أن يبقى الإنسان حاضرًا في زمن تحاول فيه الآلة أن تتصدر المشهد.
في الأردن، كما في العالم يعيش الإعلام مرحلة مفصلية. فالمؤسسات الصحفية لم تعد تنافس مؤسسات إعلامية أخرى فحسب بل أصبحت تواجه منظومات رقمية تنتج آلاف المواد في دقائق وتقرأ اهتمامات الجمهور، وتعيد تشكيل المحتوى وفق ما تريده الخوارزميات لا وفق ما يحتاجه المجتمع. وهنا يكمن الخطر لأن الإعلام عندما يفقد دوره في ترتيب أولويات القضايا الوطنية يترك هذا الدور لخوارزميات لا تعرف معنى المصلحة العامة ولا تدرك خصوصية المجتمع الأردني.
لقد غير الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة بالكامل. فالمعلومة لم تعد نادرة بل أصبحت فائضة لكن الحقيقة أصبحت أكثر ندرة من أي وقت مضى. وبين سيل الأخبار والصور والفيديوهات التي يمكن إنتاجها وتزييفها في ثوانٍ، أصبح التحقق هو العمل الصحفي الأكثر قيمة وليس مجرد نقل الخبر.
الأزمة ليست في أن الذكاء الاصطناعي يستطيع كتابة خبر فهذه مهمة تقنية يمكن إنجازها بسهولة. الأزمة أن الخبر بلا سياق قد يصبح أداة تضليل وأن التحليل بلا فهم للواقع قد يصنع رأيًا عامًا مضللًا وأن السرعة إذا سبقت المسؤولية تحولت إلى خطر على المجتمع لا إلى إنجاز إعلامي.
ومن هنا فإن التهديد الحقيقي لا يواجه الصحفي المحترف بل يواجه المؤسسات الإعلامية التي ما زالت تعتمد على أنماط تقليدية في التفكير والإدارة. فالصحفي الذي يمتلك المعرفة والقدرة على التحليل والشجاعة في طرح الأسئلة لن تستبدله آلة لأن المهنة ليست كتابة كلمات بل صناعة ثقة. والثقة لا تُبرمج ولا تُولد من خوارزمية بل تُبنى بالمصداقية والاستقلالية والتراكم المهني.
لكن في المقابل فإن تجاهل الذكاء الاصطناعي خطأ لا يقل خطورة عن الاعتماد عليه بلا ضوابط. فالعالم يتغير بسرعة والإعلام الذي لا يستثمر في التكنولوجيا سيخرج من المنافسة ليس لأن الآلة أفضل منه بل لأنه رفض تطوير أدواته. إن الصحفي الذي لا يتقن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم قد يجد نفسه غدًا أقل قدرة على الوصول إلى المعلومةوأبطأ في تحليلها، وأضعف في تقديمها.
وفي الأردن لا يكفي أن نتحدث عن التحول الرقمي بوصفه شعارًا، بل يجب أن يتحول إلى مشروع وطني يبدأ من الجامعات وكليات الإعلام ويمر بالمؤسسات الصحفيةوينتهي بتشريعات تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي وتحاسب على إساءة توظيفه. فغياب الأطر القانونية والأخلاقية سيجعل التكنولوجيا سلاحًا ذا حدين يطور الإعلام من جهة، ويقوض الثقة به من جهة أخرى.
إن أخطر ما قد يواجه الإعلام الأردني ليس دخول الذكاء الاصطناعي بل أن يدخل إليه من دون رؤية ومن دون قواعد ومن دون استثمار في الإنسان. فالتقنية مهما بلغت من التطور تبقى أداة. أما القرار والقيمةوالضمير، فهي مسؤولية الإنسان وحده.
ولعل المفارقة الكبرى أن الذكاء الاصطناعي لن ينهي الصحافة لكنه قد ينهي الصحافة التي تخلت عن رسالتها. أما الصحافة التي تتمسك بالحقيقة وتستثمر في المعرفة وتواكب التطور دون أن تتخلى عن أخلاقياتهافستخرج من هذه الثورة أكثر تأثيرًا وأكثر حاجة للمجتمع.
لقد دخلنا عصرًا لم تعد فيه المعركة على سرعة نشر الخبر بل على حماية الحقيقة من الضياع. ومن يربح هذه المعركة لن يكون صاحب الخوارزمية الأقوى، بل صاحب الضمير المهني الأقوى والرؤية الأعمق والقدرة على أن يبقى الإنسان حاضرًا في زمن تحاول فيه الآلة أن تتصدر المشهد.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات