ففي الوقت الذي كان فيه كثيرون يستعدون لافتتاح أعمال المنتدى، كان جلالة الملك قد بدأ بالفعل سلسلة لقاءات مباشرة مع رؤساء وممثلي كبرى الشركات البريطانية، بحضور وزير الاستثمار ووزير الصناعة والتجارة. لم يكن الهدف التقاط الصور أو تسجيل حضور بروتوكولي، بل فتح حوار مباشر مع أصحاب القرار الاقتصادي، والاستماع إلى تطلعاتهم، والإجابة عن استفساراتهم، وعرض ما يوفره الأردن من فرص استثمارية.
هذه الصورة تعكس أسلوباً مختلفاً في إدارة الملف الاقتصادي، يقوم على المبادرة لا الانتظار، وعلى التواصل المباشر لا الاكتفاء بالكلمات الرسمية. فالاستثمار لا يجذب بالشعارات، وإنما بالثقة، والثقة تُبنى عندما يشعر المستثمر أن قيادة الدولة نفسها تضع هذا الملف في مقدمة أولوياتها.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في التقرير، ما أبداه عدد من مسؤولي الشركات البريطانية من اهتمام واضح بزيارة الأردن قبل نهاية العام، مؤكدين أن المملكة ما زالت تمثل بيئة مستقرة وقادرة على استيعاب الاستثمارات رغم ما تشهده المنطقة من تحديات. وهذه ليست مجاملة دبلوماسية، بل شهادة تصدر عن مؤسسات لا تتحرك بالعاطفة، وإنما تبني قراراتها على دراسات دقيقة وحسابات اقتصادية واضحة.
إن الرسالة الأهم التي حملها هذا المشهد أن المنافسة على جذب الاستثمار لم تعد تعتمد على الحوافز والتشريعات وحدها، بل أصبحت تقوم أيضاً على الثقة، وسرعة التواصل، والقدرة على اتخاذ القرار. وعندما يخصص رأس الدولة وقتاً للقاء المستثمرين قبل بدء الفعاليات الرسمية، فإن ذلك يعكس إدراكاً بأن الاستثمار يبدأ بالحوار، قبل أن يتحول إلى اتفاقيات ومشروعات على أرض الواقع
كما أن وجود الفريق الاقتصادي الحكومي إلى جانب جلالة الملك يؤكد أن الدولة تعمل بروح الفريق الواحد، وأن ملف الاستثمار يحظى بمتابعة من أعلى المستويات. وهذه الصورة تمنح المستثمر رسالة طمأنينة بأن هناك انسجاماً بين القيادة والمؤسسات التنفيذية، وهو عنصر لا يقل أهمية عن أي حوافز اقتصادية.
ومن زاوية صحفية، فإن الخبر الحقيقي لم يكن وصول جلالة الملك قبل الموعد بساعة، بل ما تحقق خلال تلك الساعة. ففي كثير من الأحيان، تُصنع النتائج بعيداً عن المنصات الرسمية، داخل قاعات الحوار المباشر، حيث تُبنى الثقة، وتُناقش الأفكار، وتبدأ ملامح الشراكات الاقتصادية بالتشكل.
لقد رسخ الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، نهجاً يقوم على الحضور الفاعل والانخراط المباشر في تعزيز العلاقات الاقتصادية مع مختلف دول العالم. وهذا النهج أسهم على مدار السنوات في ترسيخ صورة المملكة كدولة مستقرة، تمتلك مؤسسات قوية، وتشريعات واضحة، وبيئة قادرة على استقطاب الاستثمار رغم ما يحيط بالمنطقة من تحديات.
وختاما ، قد تبدو ساعة واحدة في جدول الأعمال تفصيلاً عابراً، لكنها في عالم الاقتصاد قد تصنع فارقاً كبيراً. فالاستثمار لا يبحث عن الوعود بقدر ما يبحث عن الجدية، ولا يثق بالشعارات بقدر ما يثق بالأفعال. وربما كانت تلك الساعة التي سبقت افتتاح المنتدى هي الرسالة الأبلغ، لأنها جسدت نهجاً يؤمن بأن خدمة الوطن تبدأ بالعمل، وأن بناء الاقتصاد يبدأ بكسب ثقة المستثمر قبل أي شيء آخر.
حفظ الله الأردن، وأدام عز قيادته الهاشمية
دكتور الادارة الاستراتيجية وادارة الأزمات
الدكتور جاسر عبد الرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وادارة الأزمات
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات