قراءة في مرتكزات الدور السعودي في الأمن العربي والإقليمي

د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: المملكة العربية السعودية .. اللين والحزم والجوار الطيب

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8662
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: المملكة العربية السعودية ..  اللين والحزم والجوار الطيب
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

قراءة في مرتكزات الدور السعودي في الأمن العربي والإقليمي

قراءة في مرتكزات الدور السعودي في الأمن العربي والإقليمي


ليست المملكة العربية السعودية دولةً عادية في الجغرافيا السياسية أو في الوجدان الإسلامي. فهي تحتضن الحرمين الشريفين، قبلة المسلمين، وتهفو إليها أفئدة الملايين الذين يفدون إليها من مختلف أنحاء العالم لأداء الحج والعمرة، يبذلون الغالي والنفيس شوقًا إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة. ومن هنا، فإن أمن المملكة واستقرارها يتجاوزان حدودهما الوطنية ليشكلا قضية ذات أبعاد عربية وإسلامية، بل ودولية، ترتبط بأمن الحرمين الشريفين، وسلامة ملايين الحجاج والمعتمرين، واستقرار أسواق الطاقة، وحركة الاقتصاد العالمي.

ولهذا، فإن الحديث عن المملكة العربية السعودية لا يقتصر على حدود دولة ذات سيادة، وإنما يمتد إلى دولة تؤدي أدوارًا دينية وسياسية واقتصادية تجعل استقرارها جزءًا من استقرار المنطقة، وعنصرًا مهمًا في استقرار النظام الدولي.

وتشير قراءة السياسة السعودية خلال العقود الماضية إلى أنها قامت على معادلة دقيقة تجمع بين اللين والحزم؛ فاللين يتجسد في تغليب الحوار، والسعي إلى الحلول السياسية، ومد جسور التعاون، وحسن الجوار، والحرص على استقرار المنطقة، أما الحزم فيتمثل في التمسك بسيادة الدولة، وحماية الأمن الوطني، وصيانة الحدود، والمحافظة على المصالح الوطنية وفق ما تقره قواعد القانون الدولي.

وقد أسهم هذا التوازن في ترسيخ مكانة المملكة بوصفها من أبرز الدول العربية والإسلامية القادرة على إدارة التوازنات الإقليمية، مستفيدة من ثقلها السياسي، ومكانتها الدينية، وقدراتها الاقتصادية، وشبكة علاقاتها الدولية.

وتزداد أهمية هذا الدور بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمملكة، واتساع حدودها، وإشرافها على ممرات بحرية حيوية، واحتضانها لأهم منشآت الطاقة في العالم، الأمر الذي يجعل أمنها الوطني عاملًا مؤثرًا في الأمن العربي، وأمن الطاقة العالمي، واستقرار الاقتصاد الدولي.

ومن هذا المنطلق، فإن حق المملكة في حماية سيادتها وحدودها ومنشآتها الحيوية هو حق تكفله مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة لكل دولة ذات سيادة تتعرض لاعتداء أو تهديد مباشر. ولا يتعارض ذلك مع تبني سياسات الاعتدال أو الدعوة إلى الحوار، إذ إن التجارب الدولية تؤكد أن السلام المستدام لا يقوم على حسن النوايا وحده، بل على دولة تمتلك الإرادة والقدرة على حماية أمنها ومصالحها.

وعلى المستوى العربي، ارتبط الدور السعودي بالمساهمة في دعم استقرار الدول العربية، وتقديم المساعدات الإنسانية والتنموية، والمشاركة في المبادرات السياسية، والعمل على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن استقرار الدولة الوطنية واحترام سيادتها يمثلان الأساس الضروري لاستقرار الإقليم.

ولا يعني ذلك أن السياسة السعودية كانت بمنأى عن التحديات، فالأدوار الإقليمية الكبرى بطبيعتها تواجه بيئات معقدة تتداخل فيها المصالح والتهديدات. ولذلك، فإن تقييم هذا الدور ينبغي أن يستند إلى قراءة شاملة لمسار السياسات ونتائجها، لا إلى مواقف منفردة أو أحداث آنية.

وفي هذا السياق، تبرز العلاقات الأردنية السعودية نموذجًا للشراكة العربية المستقرة، القائمة على روابط تاريخية راسخة، وتنسيق مستمر بين جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود في العديد من القضايا العربية والإسلامية، انطلاقًا من رؤية مشتركة تقوم على الاعتدال، واحترام سيادة الدول، وتعزيز الأمن القومي العربي، ودعم الحلول السياسية التي تحفظ استقرار المنطقة.

كما يعكس التعاون بين سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، توجهًا نحو توسيع مجالات التعاون في التنمية والاستثمار والأمن، بما يخدم المصالح المشتركة، ويعزز مستقبل العمل العربي المشترك، ويؤسس لشراكات عربية أكثر قدرة على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة.

وتخلص هذه القراءة إلى أن المملكة العربية السعودية لم تبن مكانتها على القوة العسكرية وحدها، ولا على ثقلها الاقتصادي فحسب، وإنما على مزيج من الشرعية الدينية، والاستقرار المؤسسي، والقدرة الاقتصادية، والدبلوماسية النشطة، والالتزام بمفهوم الدولة، والموازنة بين اللين والحزم. وقد أسهمت هذه العناصر مجتمعة في ترسيخ مكانة المملكة بوصفها أحد المرتكزات الرئيسة للأمن العربي والإسلامي.

ولذلك، فإن أمن المملكة العربية السعودية لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا سعوديًا داخليًا فحسب، بل هو جزء من أمن العالمين العربي والإسلامي، وله امتدادات تتجاوز ذلك إلى الاستقرار الدولي بحكم مكانة الحرمين الشريفين، وثقل المملكة الاقتصادي، ودورها السياسي. وفي عالم تتزايد فيه التحديات، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية، واحترام السيادة، وتغليب الحوار، مع الاحتفاظ بالقدرة على حماية الأمن والمصالح الوطنية. ولعل هذه المعادلة، التي تجمع بين اللين والحزم، تمثل أحد أبرز ملامح التجربة السعودية في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم