كم مرة صعدت قمةً... ولم يصفق لك أحد؟ ليس لأنك لم تستحق، بل لأن نجاحك كان أنبل من أن تلتقطه كاميرا، وأعمق من أن تختصره صورة بباقة ورد، وأكبر من أن تسعه عبارات التهنئة الزائفة. لقد استطاع العالم الحديث أن يزيّف مفهوم النجاح؛ أقنعنا تدريجياً أن الإنجاز لا قيمة له ما لم يسبقه لقب، أو يتبعه منصب، أو ضجة على منصات التواصل الاجتماعي. حتى أصبحت القاعدة الضمنية لدى الكثيرين: ما لم يُرَ.. فكأنه لم يحدث! لكن الحقيقة أكثر عمقاً وعدالة. هناك نجاحات عظيمة لا تعلن عن نفسها، لأنها ببساطة لا تبحث عن جمهور: هناك من أصلح خطأً أو خلافاً خفياً، فأنقذ بيتاً من الانهيار، ثم رحل دون أن يُكتب اسمه في أي سجل. وهناك موظف رفض أن يبيع ضميره مقابل مصلحة أو ترقية، فعاد لبيته بجيوب خاوية... ولكن بكرامة لا تُشترى. وهناك أم أكل التعب من عمرها سنوات، لتقف في النهاية متأملةً أبناءها وقد صاروا كباراً وصالحين.. لم يقف أحد ليعطيها درعاً أو درهماً، لكنها صنعت أعظم إنجاز بشري على الإطلاق. أتذكر يوماً كنتُ فيه صاحبة مبادرة دافئة لتوزيع لفحة وكف وطاقية على الأطفال... دعوتُ يومها شخصية لها ثقلها ومقامها ليشاركني هذه اللحظة. فكان ضيف الشرف الذي بدأ بالتوزيع للمبادرة على الأطفال. فأخذ يسلم كل طفل الكيس بسرعة وبطريقة آلية كمن يؤدي مهمة رسمية ينبغي إنجازها. لم أتمالك نفسي وقتها، فناديته بلقبة وبعفوية وقُلت له: «ليس هكذا.. افتح الكيس بنفسك، ولَبِّس الطفل بيدك.. اجعله يشعر بالدفء والسعادة لتسعد أنت وهو، فرح الاطفال كثيرا وكذلك الضيف حتى صفة الاستعجال ذهبت ، وأخذ جميع الموجودين يفعلوا نفس الشيء حتى الطفل الذي يبكي كثيرا توقف بكاءه وانتظر دوره وهو سعيد، شعور جميل جدا ولن يُمحى. سيبقى هذا الموقف خالداً في ذاكرة كل من كان يومها هناك!» تلك اللحظة لم تسجلها وسائل الإعلام، لكنها اختصرت المفهوم الحقيقي للإنجاز: النجاح ليس في كمية ما تقدمه، بل في مقدار الحب والدفء الذي تتركه في قلب من أمامك. المؤلم بحق، أن أصحاب هذه الإنجازات الخفية يبدأون أحيانًا بالشك في أنفسهم: "هل قصرت؟ لماذا يخطف غيري الأضواء ويمر ما أفعله بصمت؟" والحقيقة أن المشكلة ليست فيهم... بل في المقياس الأعوج الذي نستخدمه! لقد صرنا نحتفل بمن وصل إلى القمة، وننسى من صمم السلم وبناه. نصفق للواقفين تحت الأضواء، ولا نسأل عمن أصلح المصابيح حتى تُضاء! ولهذا السبب تحديداً، رحل عظماء كثيرون وهم يظنون أنهم لم يحققوا شيئاً، بينما كانت آثارهم هي ما يُبقي هذا العالم متماسكاً حتى اليوم. النجاح الحقيقي ليس شهادة تُعلق على جدار. النجاح قد يكون كلمة طيبة قلتها في لحظة انكسار فأنقذت روحاً من اليأس، أو قراراً نزيهاً اتخذته في العتمة فحفظت به حقاً لأهله، أو باباً فتحته لغيرك فعبروا منه جميعاً... ثم أُغلق الباب دون أن يلتفت إليك أحد. ومع ذلك... يبقى الأثر شاهداً، حتى لو غاب الشهود. فإذا شعرت يوماً أن أحداً لم يَرَ إنجازك، لا تظلم نفسك. فأعظم الأشجار في هذا العالم ليست تلك التي يكثر الحديث عنها، بل تلك التي يستظل الناس بفيئها كل يوم... ودون أن يفكروا مجرد تفكير في السؤال عن اسم من زرعها. وربما... وأنت تقرأ هذه السطور الآن، تذكرت شخصاً بعيداً عن الأضواء يملك أثراً لا يُمحى في حياتك. وربما—دون أن تدري—كنت أنت ذلك الشخص في حياة أحدهم اليوم.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات