معابرة يكتب: يهودي يلعن أبوه

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11824
 معابرة يكتب: يهودي يلعن أبوه
‏الكاتب الساخر وليد معابرة

‏الكاتب الساخر وليد معابرة

يشير الراوي إلى أنَّ هناك طرفة ساخرة تقول: إنَّ يهودياً أراد أن يدخل الإسلام، فالتقى يوماً بشاب مسلم، وبدأ يطرح عليه الفكرة، علَّه يجد لديه طريقة تحبِّبه بهذا الدين وتجذبه إلى الاستقرار فيه، فوقف إلى جانب الشاب؛ وسأله: كيف لي أن أدخل الإسلام؟

ابتسم الشاب، ثم بدأ يوزِّع ابتساماته المصطنعة؛ وبدأ بمشواره الدعوي الذي لم يكن يتحدث عن الرحمة، ولا عن العدالة، ولا عن المعنى الحقيقي الذي جاء به هذا الدين العظيم، وإنما استهلَّ كلامه قائلاً: اسمع أيَّها اليهودي:

إنَّ الإسلام دين صعب، فإذا أردت أن تسلم فعليك أن تصلِّي خمس مرات في اليوم، وأن تصوم شهراً كاملاً تتحمل فيه الجوع والعطش، كما أنَّ ديننا يفرض عليك أن تدفع نقوداً كثيرة تنفقها على المحتاجين؛ إضافة إلى دفع الزكاة التي تغزو جزءاً كبيراً من مالك السنوي، كما أنه عليك أن تقوم الليل ولا تنام إلا نصفه أو ثلثيه، فضلاً عن أنه إذا توافر لديك المال؛ فعليك أن تنحر الأضاحي كلَّ عام، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلا.

استمع اليهودي إلى الشاب الداعية، ثم قال في نفسه: إذا كان هذا هو العرض الترويجي للإسلام؛ فما الذي يجبرني إلى الالتحاق به؟! فقرر أنه لا حاجة له بدين كهذا! فانصرف من عند الشاب عائداً من حيث أتى.

إلى جانب الشاب المسلم؛ كان يقف رجل مسنٌ يستمع إلى المحادثة التي جرت مع اليهودي؛ فذهب إلى الشاب وعاتبه قائلاً: يا بنيَّ؛ لماذا نفَّرت الرجل من الإسلام؟
فأجابه الشاب ببرود ممزوج بالحقد القومي الدفين:
"خليه يُدخل جهنَّم؛ يهودي يلعن أبوه"

قد تبدو هذه مجرد طرفه؛ لكنها في الحقيقة تختصر أزمة كاملة في ثقافة الدعوة لدى بعض الناس! فالمشكلة لم تكن في اليهودي الذي جاء باحثاً عن دين الحق والحقيقة، ولكنَّ المشكلة الحقيقية تكمن في ذلك الذي نصَّبَ نفسه بوابة للدين وهو لا يعرف من الدعوة إلا كيفية إغلاق الأبواب في وجوه القادمين.

إنَّ بعض الناس يتعاملون مع الدعوة كما لو كانت حملة إعلانية لإخافة البشر..
فتجده يبدأ حديثه عن المشقة قبل الحكمة!
وعن الواجب قبل المعنى!
وعن المنع قبل الرحمة!
وكأنَّه يريد أن يقنع السامعين بأنَّ النجاة عقوبة، وأنَّ الإيمان برنامج شاقٌّ لا يحتمله إلا أصحاب الجلد الخشن والهمة العالية التي لم يستطع أحد أن يتقنها سواه.

وإنَّ الأعجب من ذلك؛ أنَّ هذا النموذج من الدعاة
إذا فشل في إقناع الناس؛ لا يراجع نفسه، بل يبدأ بلعن الآخرين!
وإذا أعرض أحدهم عنه؛ وصفه بأنَّه لا يستحق الهداية!
وإن نفر من أسلوبه أحد؛ صنَّفه من المعاندين!
وإن كره خطابه؛ أطلق عليه مسمى العدو المبين! ولم يخطر بباله لحظة أنَّ المشكلة قد تكون في أسلوبه وطريقة دعوته.

لقد تحوَّلت الدعوة عند بعضهم من رسالة إنسان إلى وظيفة حارس للحدود؛ مهمتها أن تفتح القلوب لتفتش عن الداخلين، وأن تضيق الممرات حتى لا يعبُر أحد إلا بعد أن يشعر بشعور الاختناق. لذلك تجد كثيراً من الدعاة يحفظ مئات الأحاديث وعشرات النصوص؛ لكنه لا يُجيد فنَّ الابتسامة المجردة من الغل والحقد! وتكتشف أنه يحفظ جميع أبواب الفقه؛ لكنه لا يعرف باباً إلى قلب إنسان، فيصدر الأحكام، ويصنِّف البشر ضمن فئات من غير أن تكون لديه أدنى قدرة على بناء الثقة، فتجده يرفع صوته بالنهي، ويخفض عقله عن فهم البشر وإتقان عقلياتهم.

إنَّ الدعوة ليست تعداداً للفرائض؛ على قدر ما هي بيان للحكمة، وإنها ليست استعراضاً للمحرمات، على قدر ما هي كشف للقيم التي تحفظ الإنسان، فالناس لا ينجذبون إلى الفكرة لأنها مرهقة، وإنما ينجذبون إليها لأنها عادلة، فضلاً عن أنهم لا يحبون الدين لأنه ثقيل؛ وإنما يحبونه لأنه يمنح للحياة معنى هادئ.

إنَّ أخطر ما يواجه الأديان هو الخطاب الديني السائد وجهل المتحدثين فيه، وليست أسئلة المشكِّكين، فالخصوم قد يعجزون عن هدم الأديان؛ لكن جاهلاً واحداً يستطيع أن ينجح في تشويه الأخلاق المجتمعية بجملة غبيَّةٍ واحدة.

خلاصة القول: إنَّ ما جرى بين الشاب المسلم وذلك الرجل؛ لا يختزل قصة شخصٍ أراد أن يدخل الإسلام ثم تراجع، بقدر ما يختزل مأساةً أعمق تتجاوز حدود هذه الحادثة! فالقضية الحقيقية ليست (لماذا لم يُسلِم اليهودي)؟ بل إنَّ القضية تقول: كم إنساناً وقف على باب الحقيقة، ثم ارتد عنها؛ لأنَّ أول من استقبله لم يكن داعيةً إلى الله، بل حارساً على بوابة أوهامه! وحاقداً على نفسه والآخرين؛ فبدأ بتعسير الطريق، وانتهى بإعلان ولائه لعصبيةٍ ضيِّقة، فحوَّل الدين من رسالةٍ عالمية إلى هويةٍ مغلقة، ومن دعوةٍ بالحكمة إلى خطابٍ بالإقصاء والكراهية.

إنها -بلا شك- عقليةٌ لا ترى في الإنسان إنساناً، بل تصنفه أولاً كي تستطيع أن تطلق أحكامها التعسفية عليه، إضافة إلى أنَّها تظنُّ أنَّ التعصب عقيدة، وأنَّ ازدراء الآخرين فضيلة، بينما الحقيقة أنها ليست سوى قصة شاب أحمق وساذج تدرَّب وتشرَّب مفهوم الكراهية المهترئ؛ الممزوج بعقلية زائفة ومتعصبة، حينما ارتدى عباءة الوصيِّ على الإسلام، ونصَّب نفسه قاضياًَ على مصائر البشر، ثم نطق بحكمه الجائر قائلاً: "خليه يُدخل جهنَّم؛ يهودي يلعن أبوه".
#الكاتب_وليد_معابرة
#قاتل_البحر_الميت
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم