امل خضر تكتب: تكتب في مديح العقل لا في خصومة السلطة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 15057
امل خضر تكتب: تكتب في مديح العقل لا في خصومة السلطة
أمل خضر

أمل خضر

ليس أشدُّ ما يُبتلى به الإنسان أن يُسلب ماله ولا أن يُنتزع منه منصبه ولا أن تضيق عليه الأرض بما رحبت وإنما أشد البلاء أن يُطلب منه أن يُغلق عقله وهو مفتوح العينين وأن يُسلِّم بما لا يقتنع، وأن يُصفِّق لما لا يؤمن به وأن يجعل من الصمت فضيلة ومن السؤال خطيئة.
فالعقل لم يُخلق ليكون زينةً في الرؤوس وإنما خُلق ليكون ميزانًا للحق ومصباحًا في دروب الأمم. وكل أمةٍ أطفأت مصابيح عقولها مشت طويلًا في ظلامٍ ظنت أنه أمن حتى اكتشفت أنه طريقٌ إلى التيه.

إن السلطة أيًّا كان شكلها ليست غايةً في ذاتها وإنما وسيلةٌ لحراسة الإنسان وصيانة كرامته. فإذا تحولت الوسيلة إلى غاية وغدا الإنسان تابعًا لما خُلق لخدمته، اختلَّ الميزان وضاعت الحكمة وأصبح البناء قائمًا على أساسٍ مائل لا يسقط دفعةً واحدة بل يتشقق بصمت.

ليس العقل خصمًا للاستقرار بل هو حارسه الأول. فالاستقرار الذي يقوم على الاقتناع يدوم أما الاستقرار الذي يقوم على الخوف فإنه يشبه قصرًا بُني فوق الرمل يبدو شامخًا حتى تأتي أول ريحٍ من رياح الحقيقة.

لقد تعاقبت على التاريخ امم ظنت أن الزمن جنديٌّ في حراستها وأن الشعوب صفحاتٌ بيضاء يُكتب عليها ما يُراد. ثم مضى الزمن وبقيت الأمم أخبارًا في الكتب وبقيت الشعوب تصنع تاريخًا جديدًا. وهكذا كان الدرس يتكرر ما يبقى ليس السلطة بل العدل وليس الهيبة بل الثقة وليس الصوت الأعلى بل الفكرة الأصدق.
وما من كلمةٍ صادقة أضرّت بوطن، وإنما أضرَّت به الكلمات التي نافقت حتى صدَّقت نفسها والوجوه التي ابتسمت لكل شيء حتى نسيت كيف تعبس في وجه الخطأ. فالأمم لا تهلك من كثرة ناقديهاوإنما تهلك حين لا يبقى فيها إلا المصفقون.
إن الوطن الذي يخاف من الكلمة سيجد نفسه يومًا عاجزًا عن سماع الحقيقة. ومن يفقد القدرة على سماع الحقيقة يفقد القدرة على تصحيح الخطأ. ومن يعجز عن تصحيح الخطأ يترك الزمن يتولى المهمة والزمن لا يعرف المجاملة.

وليس المقصود بحرية الفكر أن يتحول الناس إلى خصومٍ لبعضهم بل أن يصبح اختلافهم سبيلًا إلى اكتمال الصورة. فالرأي الواحد قد يصنع قرارًا أما تعدد الآراء فيصنع حكمة. والعقل الذي يناقش خيرٌ من اللسان الذي يردد لأن الترديد يصنع أتباعًا أما التفكير فيصنع مواطنين.

إن الأمم العظيمة لم تُعرف بكثرة ما شيّدت من أبراج بل بكثرة ما فتحت من نوافذ للعقل. ولم تُخلِّدها جيوشها وحدها بل خلّدها علماؤها ومفكروها، وقضاتها، وكل من آمن أن الكلمة العادلة قد تكون أقوى من ألف سيف لأنها تنتصر دون أن تُريق دمًا وتبني دون أن تهدم.
وإذا كان التاريخ قد علّمنا شيئًا فهو أن الإنسان قد يُجبر على الصمت، لكنه لا يُجبر على الاقتناع وأن الأفكار قد تُؤجل، لكنها لا تموت. وأن الحقيقة قد تتأخر لكنها لا تضيع فهي كالشمس قد يحجبها الغيم لكنها لا تنطفئ.

فلا تجعلوا من العقل متهمًا ولا من السؤال عيبًا ولا من الاختلاف خطرًا. علِّموا أبناءكم أن احترام الوطن لا يعني إلغاء التفكير وأن حب الدولة لا يعني تعطيل الضمير وأن الوفاء للأمة يبدأ بالصدق معها لا بالمبالغة في مدحها.

فإن الأوطان التي تُكرم العقل يكرمها التاريخ. والتي تُقيم العدل يحرسها شعبها. والتي تفتح أبوابها للنقاش تُغلق أبوابها في وجه الانهيار.

ويبقى الإنسان في نهاية المطاف اغلى ما نملك وأبقى من كل منصب، لأن الكراسي يغيّرها الزمن، أما الكرامة، فإذا سقطت احتاجت أجيالًا لتنهض من جديد
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم