د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: الأردن وإدارة التهديد الإيراني .. دروس خمسة عقود للأمن القومي العربي

منذ 37 دقيقة
المشاهدات : 8896
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: الأردن وإدارة التهديد الإيراني ..  دروس خمسة عقود للأمن القومي العربي
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

لم يصل التهديد الإيراني إلى الأردن مع أول صاروخ عبر أجواء المملكة، ولا مع أول طائرة مسيّرة، ولا مع أول محاولة للمساس بأمنه الوطني. فالأردن يواجه، منذ ما يقارب خمسة عقود، تداعيات مشروع إقليمي أعاد تشكيل خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، عبر دعم قوى مسلحة خارج إطار الدولة، واستثمار الصراعات الإقليمية، وتوسيع ساحات التنافس على حساب استقرار عدد من الدول العربية.

ولذلك، فإن قراءة هذا التهديد لا ينبغي أن تقتصر على الأحداث العسكرية الأخيرة، بل يجب أن تنطلق من مسار بدأ مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979، وما تبعه من تحولات عميقة في الإقليم. وخلال هذه العقود، وجد الأردن نفسه محاطًا ببيئة أمنية معقدة؛ فمن جهة، شهدت الساحتان العراقية والسورية وجود جماعات مسلحة وتنظيمات غير نظامية على مقربة من حدوده، بعضها مدعوم من إيران أو مرتبط بحلفائها، ومن جهة أخرى واجه خطر التنظيمات المتطرفة التي هددت أمن الأردن والدول العربية على حد سواء. وبين هذين التحديين، حافظت الدولة الأردنية على أمنها واستقرارها، ومنعت انتقال الفوضى إلى الداخل.

لقد دفعت دول عربية، وفي مقدمتها العراق وسوريا ولبنان واليمن، أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها ووحدة مؤسساتها، وتحولت في مراحل مختلفة إلى ساحات لصراعات إقليمية ودولية معقدة. ومع اختلاف أسباب كل أزمة، فإن النتيجة كانت واحدة: كلما ضعفت الدولة الوطنية، اتسعت مساحة تدخل القوى الخارجية، وازداد نفوذ الجماعات المسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية.

أما الأردن، فقد اختار منذ البداية مسار الدولة لا مسار الفوضى، ومسار المؤسسة لا مسار الميليشيا. واستند في ذلك إلى قواته المسلحة، وأجهزته الأمنية، ومؤسساته الدستورية، ووحدة مجتمعه، وقيادته الهاشمية، وهو ما مكّنه من تجاوز تحديات جسيمة عصفت بالإقليم خلال العقود الماضية.

ولعل أخطر ما في الصراعات الحديثة أنها لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية، بل أصبحت معارك على الوعي والرأي العام. فالشعارات، مهما كانت جاذبة، لا تكفي للحكم على السياسات، وإنما تُقاس المشاريع السياسية بنتائجها على أمن الدول واستقرارها وازدهار شعوبها.

لقد أثبتت التجارب أن المنطقة لم تكن بحاجة إلى مزيد من الانقسامات، بل إلى تعزيز الدولة الوطنية واحترام سيادتها. كما أن اتساع رقعة الجماعات المسلحة، وتعدد مراكز القوة خارج مؤسسات الدولة، أسهما في تعقيد أزمات المنطقة وإطالة أمدها، وأوجدا بيئات استغلتها تنظيمات متطرفة، فازدادت التحديات الأمنية أمام دول الجوار، ومنها الأردن.

وفي المقابل، قدم الأردن نموذجًا مختلفًا في إدارة الأزمات. فقد تعامل مع التهديدات بعقل الدولة، لا بردود الفعل، وحافظ على توازناته، وعزز جاهزية مؤسساته الأمنية والعسكرية، واستمر في حماية حدوده وسيادته، رغم موقعه الجغرافي الحساس في قلب منطقة تعيش اضطرابات متواصلة.

إن أمن الأردن لم يعد قضية أردنية فحسب، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن القومي العربي. فما يصيب الأردن ينعكس على محيطه العربي، كما أن استقرار الخليج والعراق ومصر وسائر الدول العربية يمثل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأكملها. ومن هنا، فإن حماية الدولة الوطنية، وتعزيز التعاون العربي، وترسيخ سيادة القانون، تبقى الضمانة الحقيقية لمواجهة التحديات المشتركة.

لقد علمتنا العقود الخمسة الماضية أن الدول لا تُحمى بالشعارات، ولا بالمغامرات، وإنما تُحمى بمؤسسات قوية، وجيش محترف، واقتصاد متين، ومجتمع متماسك، وقرار وطني مستقل. أما المشاريع التي تُقاس بخطاباتها أكثر من نتائجها، فإن التاريخ يبقى الحكم الأصدق عليها.

ويبقى الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، نموذجًا في إدارة الأزمات، وفي الحفاظ على استقرار الدولة وسط إقليم مضطرب، مؤكدًا أن قوة الدولة ليست في كثرة خصومها، وإنما في قدرتها على حماية سيادتها، وصون مؤسساتها، وتغليب مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم