د. محمد خالد العزام يكتب: مؤسسة الإقراض الزراعي والرهان على المشروع النوعي: وعد أم سراب

منذ 1 يوم
المشاهدات : 10640
د. محمد خالد العزام يكتب: مؤسسة الإقراض الزراعي والرهان على المشروع النوعي: وعد أم سراب
الدكتور محمد خالد العزام

الدكتور محمد خالد العزام

في زمن تتصارع فيه السياسات الاقتصادية بين أفق التنمية المستدامة ومستنقع الحلول المؤقتة، تطل علينا مؤسسة الإقراض الزراعي برهان جديد على المشروع النوعي بوصفه طوق نجاة للشباب العاطلين، ذلك التبر الأصفر الذي تسيل وراءه دماء الطموح وتنصب له موازين الأمل في عقول المنتظرين. إنه رهان يلوّح بعناوين عريضة: تشغيل الشباب، تعزيز القيمة المضافة، وخلق مشاريع نوعية واعدة. لكن، ما الذي يخفي خلف هذه العناوين البرّاقة؟ وهل يصمد هذا المشروع النوعي كخيار استراتيجي أمام عاصفة التحديات التي تعصف بقطاعنا الزراعي؟ أم أنه مجرد ومضة إعلامية تخفي إخفاقات متراكمة ورهانات سابقة ذهبت أدراج الرياح؟

إن المشروع النوعي -إن جاز التعبير- هو "الذهب الأحمر" في قاموس التنمية، حيث تباع أفكاره بثمن باهظ، وتعد ميادينه مدرجات ذهبية تدرّ على منفذيها أرباحاً خيالية، لكنها في الوقت ذاته محفوفة بمتاهات الإنتاج والتسويق، وتتطلب أيادٍ عاملة ماهرة، وخبرات تراكمية لا تُكتسب بين ليلة وضحاها. فكيف السبيل إلى مشروع نوعي واعد يُقدَّم للشباب العاطلين الذين قد يكونون بعيدين كل البعد عن طقوس هذه المشاريع الدقيقة؟ إن المشروع النوعي -كما يبدو- محاولة للقفز فوق الواقع، إذ يُروّج له كحل سحري للبطالة، متناسياً أن تحويل شباب بلا خبرة إلى منتجين لمشاريع نوعية يحتاج إلى معامل تدريبية متقدمة، وإلى أيادٍ خبيرة ترافقهم خطوة بخطوة، وإلى بنية تسويقية تليق بقيمة هذه المشاريع. فهل تمتلك مؤسسة الإقراض الزراعي هذه الأدوات؟ أم أنها تكتفي بدور المُقرض التقليدي الذي يمنح القرض ثم يترك المستفيد فريسة لتقلبات السوق وقسوة الطبيعة؟

وهنا يبرز سؤال جوهري، ينبغي أن يُطرح بجرأة وصراحة على مسامع القائمين على هذه المؤسسة: ما تعريف المشروع النوعي في قاموس مؤسسة الإقراض الزراعي؟ فإذا كان كل مشروع ينفذه عاطل عن العمل يُعد -ببساطة- مشروعاً نوعياً، فإن المصطلح يفقد أي مضمون حقيقي، ويتحول إلى مجرد طابع برّاق يُلصق على أية مبادرة، لأغراض ترويجية أو تسويقية، أو ربما لمآرب أخرى تتعلق بالحصول على الدعم والاعتمادات المالية، وتلميع الصورة العامة للمؤسسة، دون أن يكون لذلك أي انعكاس حقيقي على جودة المشاريع أو استدامتها. إن تحويل كلمة "نوعي" إلى عباءة فضفاضة تلبسها كل المشاريع يجردها من معناها، ويُفقدها قدرتها على التمييز بين المبادرات الجادة والأخرى الهامشية. فالنوعية ليست مجرد شعار، بل هي منهجية عمل، ومعايير دقيقة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس. فهل تمتلك المؤسسة هذه المعايير؟ أم أنها تتعامل مع المشاريع كرقم في إحصائية، من دون النظر إلى الجدوى الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية؟

من المعروف أن قروض مواجهة الفقر والبطالة تتراوح عادة بين 3,000 و5,000 من العملة المحلية -وهي مبالغ قد لا تكفي لتأسيس مشروع نوعي يحتاج إلى أراضٍ مهيأة، ومصادر مياه، ومعدات، ومستلزمات إنتاج، وتكاليف تسويق أولية. فكيف يمكن لهذا المبلغ المتواضع أن ينشئ مشروعاً نوعياً واعداً؟ وكأننا أمام مفارقة عجيبة: نطمح إلى مشاريع نوعية تدرّ عوائد كبيرة، لكننا نقدم لها دعماً مالياً هزيلاً لا يغطي حتى مصروفاتها التشغيلية في موسمها الأول. إنها معادلة صعبة، أشبه بمن يريد بناء ناطحة سحاب على أساس من رمال متحركة.

الأكثر إيلاماً في هذه القصة، أن ثمة مشاريع قائمة، سبق أن مُنحت قروضاً، وما زالت تعاني من مشاكل عالقة لم تُحل بعد، وكأن مؤسسة الإقراض الزراعي تنظر إلى الماضي بعينٍ عمياء، وتتجه نحو المستقبل برعونة المغامر الذي يضع كل أمواله على رقم في لعبة الروليت. إن ترك هذه المشاريع تتخبط في تحدياتها دون معالجة جادة، ثم الانطلاق في مبادرات جديدة، يشبه بناء طابق جديد فوق بناء آيل للسقوط. فأين هي فرق المتابعة والتقييم؟ وأين هي خطط التصحيح والإنقاذ للمشاريع المتعثرة؟ هل من المعقول أن نحتفل بمنح قروض جديدة بينما نتجاهل بكاء المشاريع القديمة؟

لن يكون الرهان على المشروع النوعي مجدياً، ولن تتحقق النوعية المنشودة، ما لم ترتفع مؤسسة الإقراض الزراعي عن مستوى الإقراض التقليدي إلى مستوى الشراكة التنموية الحقيقية. وهذا يتطلب إعادة تعريف دقيق للمشروع النوعي، بوضعه على محك معايير واضحة: الجدوى الاقتصادية، التكامل مع سلاسل القيمة، القدرة على التوظيف، الأثر البيئي، والاستدامة المالية. فالنوعية ليست وصمة تمنح لكل مشروع، بل هي تتويج يستحق عن جدارة واستحقاق. كما يتطلب مراجعة حجم القروض، بحيث تتناسب مع متطلبات المشاريع النوعية، مع تقديم آليات سداد مرنة مرتبطة بمواسم الإنتاج. ولا بد من تطوير برامج التدريب المتخصصة، التي لا تقتصر على الجانب النظري، بل تمتد إلى التطبيق العملي المكثف، وتشمل كل حلقات الإنتاج من الفكرة إلى السوق. ويقتضي الأمر بناء شراكات تسويقية استراتيجية، تضمن تسويق المنتج بأسعار عادلة، وتحمي المنتجين من تقلبات السوق والوسطاء. والأهم، الوقف الفوري لإطلاق مشاريع جديدة قبل تصحيح أوضاع المشاريع القائمة، فنجاح الأمس هو ضمانة نجاح الغد، وإصلاح ما فسد يبني الثقة ويعيد الاعتبار لمصداقية المؤسسة.

إن المشروع النوعي كخيار واعد يحمل في طياته إمكانيات كبيرة، لكنه كالوردة الجميلة التي تنمو بين الأشواك، يحتاج إلى عناية فائقة، وإلى من يفهم طبيعة تربته ومناخه. وإذا كانت مؤسسة الإقراض الزراعي تراهن عليه، فعليها أن تراهن أولاً على بناء القدرات، وإصلاح البنى، ومعالجة الإخفاقات السابقة. فالرهان الحقيقي ليس على مشروع بقدر ما هو على عقلية جديدة في التعامل مع المبادرات الصغيرة، تقوم على التخطيط العلمي، والمتابعة المستمرة، والتقويم الموضوعي. وإلا، فسيظل المشروع النوعي مجرد زهرة برّاقة، تذبل سريعاً تحت لهيب الواقع المرير.
بقلم الدكتور محمد خالد العزام
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم