الملكية الخاصة .. من يُشيِّع الملاذ الآمن للأردنيين إلى مثواه الأخير؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 27804
الملكية الخاصة ..  من يُشيِّع الملاذ الآمن للأردنيين إلى مثواه الأخير؟

محمد إبراهيم مطالقة
محامٍ وباحث

"عندما يفقد الإنسان ثقته في حماية ملكه، فإنه لا يخسر قطعة أرض فحسب، بل يخسر جزءًا من شعوره بالأمان."

لم يعرف الأردنيون، عبر تاريخهم، ملاذًا أكثر أمانًا من الأرض. فحين كانت الأسواق تتقلب، بقيت الأرض. وحين كانت العملات ترتفع وتهبط، بقيت الأرض. وحين كانت الظروف الاقتصادية تضيق على الناس، بقيت الملكية العقارية هي الادخار الأكثر أمانًا، والإرث الأصدق، والضمانة التي يتركها الآباء للأبناء بعد رحلةٍ طويلة من الكد والعمل.

ولذلك، لم تكن الأرض في الوجدان الأردني مجرد سلعةٍ تباع وتشترى، بل كانت عنوانًا للاستقرار، ومرادفًا للأمان، وحصيلة عمرٍ كامل. ولهذا أيضًا، لم يكن الدستور الأردني حين أحاط الملكية الخاصة بالحماية، يحمي حجارةً أو ترابًا، وإنما كان يحمي الإنسان نفسه، ويحمي ثقته بأن ثمرة عمره لن تُنتقص إلا للمنفعة العامة، وبمقابل تعويضٍ عادل يحقق العدالة، لا مجرد تعويضٍ شكلي يبرئ الذمة القانونية.

وفي مجتمعٍ اعتاد أن يجعل الأرض مخزنًا للقيمة، وضمانًا للمستقبل، وإرثًا للأبناء، لا يمكن النظر إلى الملكية الخاصة باعتبارها مجرد أصلٍ مالي. فهي بالنسبة لغالبية الأردنيين حساب التوفير الحقيقي، وصندوق التقاعد الذي صنعوه بأيديهم، والرصيد الذي يلجؤون إليه عندما تتبدل الأحوال أو تشتد الأزمات.

ولعلنا، قبل أن نغوص في تفاصيل النصوص والمواد القانونية، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ يستحق الوقوف عنده. فاليوم لا تُناقش مجرد مواد قانونية، بل يُخشى أن نكون أمام مراسم وداعٍ لأحد أكثر المفاهيم رسوخًا في وجدان الأردنيين؛ مفهوم أن الأرض هي الملاذ الأخير عندما تخذل الإنسان كل الملاذات. قد لا يكون هناك نعشٌ يُحمل على الأكتاف، ولا جنازةٌ تُقام في الساحات، لكن الأخطر أن تُشيَّع الثقة التي عاش عليها الأردنيون عقودًا، وهي أن ملكيتهم الخاصة مصونة بحماية الدستور وعدالة القانون.

ومن هنا، فإن أي تعديل تشريعي يتعلق بالملكية العقارية لا يجوز أن يُقرأ من زاوية الأرقام أو الآليات الفنية وحدها، بل يجب أن يُقرأ من زاوية الأثر الذي يتركه في نفوس المواطنين. فالقوانين لا تُقاس بعدد موادها، وإنما بقدرتها على تعزيز الثقة أو إضعافها، وبما ترسله من رسائل إلى المجتمع والمستثمر في آنٍ واحد.

وتزداد أهمية هذا النقاش في ضوء ما انتهت إليه اللجنة القانونية في مجلس النواب من تعديلٍ لآلية تقدير التعويض، بحيث يُراعى عند تقديره القيمة المقدرة للعقار وفق الضوابط القانونية، أو معدل قيمة آخر ثلاثة بيوعات تمت على العقار ذاته أو على مثيله من العقارات المجاورة له وفق واقع السجل العقاري، أيهما أعلى. ولا شك أن هذا التوجه يمثل خطوةً أكثر اتساقًا مع فكرة الوصول إلى القيمة الحقيقية للعقار مقارنةً بالاعتماد على معايير جامدة، وهو ما يُحسب للجنة القانونية في سعيها إلى تحسين النص.

إلا أن السؤال الدستوري يبقى قائمًا: هل يكفي هذا المعيار وحده لتحقيق "التعويض العادل" الذي أوجبه الدستور في جميع الحالات؟ فالقيمة السوقية الحقيقية للعقار لا تُختزل دائمًا في آخر ثلاثة بيوعات، لأن تلك البيوع قد تكون قد أبرمت في ظروف تختلف عن ظروف العقار المستملك، كما أن اختلاف طبيعة العقارات ومواقعها وخصائصها قد يجعل المقارنة بينها غير دقيقة مهما بلغت درجة التشابه.

ويضاف إلى ذلك إشكال عملي يعرفه كل من يعمل في قطاع العقار، ويتمثل في أن قيم بعض البيوع المسجلة في السجل العقاري قد لا تعكس دائمًا الثمن الحقيقي الذي تم الاتفاق عليه بين أطراف البيع، لأسباب متعددة، من بينها السعي إلى تخفيض الرسوم والضرائب المترتبة على نقل الملكية. فإذا كان الأمر كذلك، فإن اتخاذ تلك البيوع معيارًا للتعويض قد لا يقود في جميع الأحوال إلى القيمة السوقية الفعلية للعقار، وإنما إلى قيمة تأثرت باعتبارات لا تعبر بالضرورة عن واقع السوق. ومن ثم، فإن الاعتماد على هذا المعيار، رغم أهميته، لا ينبغي أن يحجب الغاية الدستورية الأصلية، وهي الوصول إلى تعويضٍ عادل يجبر الضرر الحقيقي الذي لحق بالمالك، لا مجرد تعويض يستند إلى مؤشرات قد لا تعكس القيمة الواقعية لملكه.
والمادة (11) من الدستور الأردني لم تتحدث عن تعويضٍ تقريبي، ولا عن تعويضٍ مناسب، وإنما اشترطت أن يكون الاستملاك "مقابل تعويض عادل". والعدالة، في مفهومها الدستوري والقانوني، لا تتحقق إذا كان التعويض عاجزًا عن تمكين المالك من استبدال ملكه بما يماثله في القيمة الحقيقية. فالتعويض ليس منحةً من الدولة، ولا تفضّلًا منها، بل هو التزام دستوري يوازن بين مقتضيات المنفعة العامة وصيانة الحقوق الفردية.

ولا يقف الأمر عند حدود المادة (11) من الدستور، بل يمتد إلى المادة (128/1) التي أرست مبدأً دستوريًا بالغ الأهمية، إذ نصت على أن القوانين التي تصدر بموجب الدستور لتنظيم الحقوق والحريات لا يجوز أن تؤثر في جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها. وإذا كانت الملكية الخاصة حقًا دستوريًا أصيلًا، فإن تنظيم إجراءات الاستملاك أو آلية تقدير التعويض لا يجوز أن يفضي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى الانتقاص من جوهر هذا الحق أو إفراغ الضمانة الدستورية من مضمونها. فالتنظيم التشريعي مشروع، أما المساس بجوهر الحق فليس كذلك، وإلا تحول القانون من أداةٍ لحماية الحقوق إلى وسيلةٍ للحد منها، وهو ما لا يستقيم مع فلسفة الدستور وأحكامه.

إن الأرقام قد تبدو جامدة، لكن آثارها ليست كذلك. فكل معيار يُقر، وكل آلية تُعتمد، تنعكس في النهاية على شعور المواطن بالأمان تجاه ملكه. ولذلك فإن القضية ليست مجرد طريقة لحساب التعويض، بل قضية ثقة قد تُفقد، وإذا فُقدت فلن يعوضها أي تعديل لاحق.

فالثقة في حماية الملكية الخاصة لا تُبنى على حسن النوايا، وإنما على يقين المواطن بأن التعويض سيوازي ما فقده فعلًا، لا ما تفترضه المعادلات أو المؤشرات أو السجلات في بعض الحالات. وعندما يتسلل الشك إلى هذا اليقين، تبدأ الضمانة الدستورية بفقدان جزء من أثرها العملي، حتى وإن بقي النص الدستوري على حاله.

وإذا ما أُقر مشروع القانون بهذه الصيغة، فإن أثره لن يقتصر على ملاك العقارات الذين قد تتناولهم إجراءات الاستملاك، بل سيمتد إلى البيئة الاستثمارية بأكملها. فالملكية العقارية ليست مجرد حق فردي، وإنما تُعد إحدى الركائز الأساسية للاستثمار، ومحركًا رئيسًا للحركة الاقتصادية والتجارية، بل إنها كانت وما تزال أحد أهم عوامل استقطاب رؤوس الأموال المحلية والعربية.

فالمستثمر، قبل أن ينظر إلى حجم السوق أو موقع المشروع أو العائد المتوقع، ينظر إلى مدى استقرار البيئة القانونية، وإلى الضمانات التي تكفل حماية ملكيته إذا اقتضت المنفعة العامة استملاكها. لذلك، فإن معيار التعويض ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل رسالة تشريعية تعكس مدى احترام الدولة لحقوق الملكية الخاصة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وصيانة الحقوق الدستورية.

إن الاستثمار لا يبحث عن الأرض فحسب، بل يبحث قبل كل شيء عن الثقة. فإذا اهتزت الثقة في كفاية الضمانات القانونية لحماية الملكية الخاصة، انعكس ذلك على قرارات الاستثمار، وأثر في حركة السوق العقارية، وامتد أثره إلى قطاع الإنشاءات، والمصارف، وشركات التمويل، وسائر القطاعات المرتبطة بها. فاستقرار النصوص القانونية، وعدالة تطبيقها، يمثلان أحد أهم عناصر الجذب الاقتصادي في أي دولة تسعى إلى بناء بيئة استثمارية آمنة ومستقرة.
إن الدفاع عن الملكية الخاصة ليس دفاعًا عن كبار المستثمرين أو أصحاب الثروات، بل هو دفاع عن الموظف الذي ادخر راتبه سنواتٍ طويلة ليشتري قطعة أرض، وعن الأب الذي بنى منزلًا يأوي إليه وأسرته، وعن الأم التي رأت في بيتها ضمانًا لمستقبل أبنائها. فالملكية الخاصة ليست امتيازًا للأغنياء، وإنما هي حقٌ لكل مواطن، وهي الكرامة الاقتصادية التي يحتمي بها عندما تتقلب الأيام.

ولذلك، فإن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على نزع الملكيات، وإنما بقدرتها على إقناع مواطنيها بأن حقوقهم مصونة، وأن القانون يقف حارسًا على أملاكهم لا خصمًا لهم، وأن المنفعة العامة لا تتحقق على حساب العدالة، بل من خلالها.

إن الملكية الخاصة ليست عقبةً في وجه التنمية، بل هي شرطٌ من شروطها. فلا تنمية بلا ثقة، ولا استثمار بلا ضمانات، ولا اقتصاد قوي في بيئةٍ يخشى فيها الناس على مدخرات أعمارهم.

ولئن كانت اللجنة القانونية قد بذلت جهدًا واضحًا في تحسين معيار تقدير التعويض والاقتراب به من القيمة الحقيقية للعقار، فإن قيمة أي تشريع لا تُقاس بحسن النية التي صيغ بها، وإنما بقدرته على تحقيق العدالة في التطبيق، وبمدى انسجامه مع الضمانات التي كفلها الدستور. فالمعيار الذي قد يكون منصفًا في كثير من الحالات، قد لا يكون كذلك في حالات أخرى، ما لم يبق الهدف النهائي هو الوصول إلى التعويض الذي يجبر الضرر الحقيقي، لا الاكتفاء بمعادلة حسابية أو مؤشر قد لا يعكس الواقع بصورة كاملة.

فالدستور لم يطلب تعويضًا قريبًا من العدالة، ولا تعويضًا يغلب على الظن أنه منصف، وإنما اشترط تعويضًا عادلًا. وبين الأمرين فرق كبير، لأن العدالة لا تُقاس بسلامة الوسيلة وحدها، وإنما بسلامة النتيجة أيضًا.

وإذا كان لكل فقيدٍ مشيعون، ولكل جنازة كلمات عزاء، فإننا نخشى أن نكون اليوم أمام تشييعٍ من نوعٍ آخر؛ تشييع آخر ملاذٍ آمنٍ آمن به الأردنيون لعقود، وهو أن الأرض التي أفنوا أعمارهم في امتلاكها ستظل محميةً بعدالة الدستور وهيبة القانون.

عزاؤنا لكل أردنيٍ ادخر راتبه عامًا بعد عام ليشتري قطعة أرض، ولكل أسرةٍ رأت في منزلها أمانًا من تقلّبات الزمن، ولكل أبٍ وأمٍ اعتبرا العقار إرثًا كريمًا يتركانه لأبنائهما. وعزاؤنا كذلك لكل مستثمرٍ آمن بأن الأردن دولة قانون، وأن حماية الملكية الخاصة ليست شعارًا، بل التزامًا دستوريًا لا يقبل الانتقاص.

وقد يكون من واجب الكاتب أن يكتب، ومن واجب المشرّع أن يراجع، أما حكم التاريخ فلن يكتبه إلا ما سيبقى من ضمانات الدستور في وجدان الناس وواقعهم.

ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه التاريخ، لا الحاضر وحده:

من يُشيِّع الملاذ الآمن للأردنيين إلى مثواه الأخير؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم