فيصل تايه يكتب: أربعة أشقاء في كفنٍ واحد .. والضمير العالمي في غرفة الإنعاش

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 31019
 فيصل تايه يكتب: أربعة أشقاء في كفنٍ واحد  ..  والضمير العالمي في غرفة الإنعاش
فيصل تايه

فيصل تايه

​عندما يُقتل أربعة إخوة في لحظة واحدة، لا نتحدث هنا عن مجرد خبرٍ عاجل يُقرأ في النشرات ويُطوى في أرشيف المآسي، بل عن منزل كامل يُنسف من الوجود، وسلالة من الأحلام والضحكات تُباد في طرفة عين، ليصبح الفقد جرحاً غائراً يصرخ في وجه هذا العالم الصامت.

إن استمرار هذا النزيف المتواصل بين المدنيين في فلسطين يضع المجتمع الدولي برمته تحت مقصلة المحاكمة الأخلاقية والتاريخية؛ فكل روح تُزهق هي اقتطاع مباشر من آدميتنا جميعاً. لكن المأساة الأشد إيلاماً اليوم لا تكمن فقط في بطش القوة، بل في حالة "الاعتياد الوقح" التي يتعاطى بها العالم مع هذه الأهوال، وكأن دماء البعض قدرٌ محتوم لا يستوجب سوى بيانات باهتة تُصاغ ببرودٍ لا يقل قسوة عن الجريمة ذاتها!

​ولم تكن هذه الفاجعة مجرد مصادفة مأساوية، بل كانت ثمرة مسمومة لإرهاب استيطاني متصاعد وتطاولٍ غاشم يستهدف شرف الأرض والكرامة. لقد ارتقى الأشقاء الأربعة وهم يذودون بصدورهم العارية عن أرضهم وعرضهم، يقفون سداً منيعاً في وجه استباحة المستوطنين وعدوانهم المُمنهج.

إن دفاع الإنسان عن بيته وأرضه في وجه التغول والترهيب ليس مجرد حق مكفول بكافة المواثيق والشائع، بل هو أسمى درجات الشرف الإنساني؛ مما يجعل استهدافهم جريمة نكراء تسعى لكسر إرادة الصمود وتجريد أصحاب الأرض من حقهم البديهي في الحياة والكرامة.

​وهنا نضع هذا العالم أمام مرآة حقيقته: أين هو الضمير العالمي؟ وأين هي المؤسسات الدولية التي صدّعت رؤوسنا بعالمية حقوق الإنسان؟ حين يُذبح الضمير العالمي على مسلخ الصمت .

​إن الوقوف عند حدود "الأسف" أو "الدعوة لضبط النفس" أمام إبادة عائلات بأكملها، لم يعد مجرد عجز سياسي، بل هو سقوط أخلاقي مريع، وتواطؤ ضمنيّ يمنح القاتل حصانة من العقاب. لقد تحولت المنظومة الأممية والهيئات الدولية إلى مجرد منصات لعدّ الجثث وتوثيق الفواجع، حارمةً الضحايا حتى من حقهم البديهي في الحماية، ومحولةً المواثيق الدولية إلى نصوص صماء تُطبق على الضعفاء وتُعطل عند أقدام القوة.

​إن حماية المدنيين ليست قراراً خاضعاً لتوازنات المصالح، ولا ورقة تفاوضية على طاولات السياسة، بل هي التزام قانوني وإنساني صارم. وإن التهرب من إجراء تحقيقات مستقلة، والامتناع عن إخضاع الجناة للمساءلة والعدالة الدولية، يبعث برسالة خطيرة مفادها: أن البشر ليسوا متساوين في الكرامة، وأن ثمة دماءً يُسمح بسفكها دون حساب!

​إن أي سلام يُبنى على جثث الأبرياء، وعلى غياب المساءلة، وعلى دفن الحقيقة تحت ركام الانحياز، هو سلام زائف لا يصمد أمام غضبة الحق. فالسلام لا يستقيم مع ازدواجية المعايير، ولا يُشيّد فوق صرخات الثكالى وأشلاء الأشقاء.

​لقد سقطت الأقنعة، وآن الأوان أن يُحاكم الضمير العالمي قبل أن تنهدم المتبقي من أعمدة المدنية والحضارة. فالضحايا الأربعة لم يكونوا مجرد أسماء في تقرير حقوقي، بل كانوا حياة مكتملة الأركان، وأصحاب حقّ أصيل في العيش والأمان. وإن لم تستفق المنظومة الدولية الآن لتستعيد بوصلتها التائهة وتفرض العدالة كضرورة وجودية، فلنقرأ السلام على القوانين والمواثيق، ولنعترف جميعاً بأننا نعيش في غابةٍ تُذبح فيها الإنسانية على مرأى ومسمع من عالمٍ فقد قلبه وعقله.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم