الخوالدة يكتب: إلى دولة الرئيس .. العناية بأهم أصول الدولة

منذ 6 ساعات
المشاهدات : 17393
 الخوالدة يكتب: إلى دولة الرئيس ..  العناية بأهم أصول الدولة
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

ليست المشكلة في اتخاذ القرار، وإنما في تحديد الأصل الذي يجب أن يحميه القرار. فكل دولة تمتلك أصولًا استراتيجية، لكن الدول الناجحة هي التي تجعل المحافظة على هذه الأصول معيارًا يسبق أي سياسة اقتصادية أو إدارية، لأن استنزافها قد يحقق مكاسب قصيرة الأجل، لكنه يفرض كلفًا أكبر على المدى البعيد.

وفي الأردن، قد تختلف الآراء حول ترتيب الأصول الوطنية؛ فهناك الموقع الجغرافي، والاستقرار، والمؤسسات، والبنية التحتية، والسمعة الدولية، لكن يصعب الاختلاف على أن رأس المال البشري كان، وما يزال، الأصل الذي عوض محدودية الموارد الطبيعية، وصنع المكانة التي يتمتع بها الأردن في محيطه الإقليمي والدولي.

فالطبيب، والمهندس، والمعلم، والأستاذ الجامعي، والباحث، والإداري، والعسكري، ورجل الأمن، وسائر الكفاءات الأردنية، لم يكونوا مجرد قوة عاملة، بل مثلوا استثمارًا وطنيًا طويل الأمد، أسهم في بناء المؤسسات، وتعزيز الاقتصاد، وترسيخ سمعة الأردن في مختلف أنحاء العالم.

ولهذا، فإن أي مراجعة للسياسات العامة ينبغي أن تبدأ بسؤال واحد: هل يحافظ هذا القرار على أهم أصول الدولة، أم يؤدي إلى استنزافها؟ فالإدارة الرشيدة لا تكتفي بقياس الأثر المباشر للقرار، بل تدرس انعكاساته على المدى المتوسط والبعيد.

وفي أدبيات الإدارة الحديثة، برز ما يمكن تسميته "البعد الثالث للقرار"، وهو النظر إلى الآثار التي لا تظهر فورًا عند اتخاذ القرار، لكنها تتجلى لاحقًا في صورة تراجع الثقة، أو انخفاض الإنتاجية، أو ضعف المؤسسات، أو هجرة الكفاءات، أو تآكل الطبقة الوسطى. ولذلك، فإن تقييم السياسات لا ينبغي أن يقتصر على ما تحققه من وفر مالي أو معالجة آنية، بل على قدرتها في حماية الأصول الاستراتيجية للدولة.

ومن هنا، فإن مراجعة عدد من الملفات الاقتصادية والإدارية التي تمس حياة المواطنين تستحق حوارًا مؤسسيًا أوسع، وربما تشكيل لجان فنية متخصصة لكل ملف، تضم الجهات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص وغرف الصناعة والتجارة والخبراء المستقلين. فالقرار الذي يُبنى على المعرفة والتخصص والحوار يكون أكثر توازنًا، وأعلى جودة، وأقل كلفة في المستقبل.

ولعل من نقاط القوة التي يتمتع بها دولة الرئيس علاقاته الإيجابية مع مختلف المؤسسات والقطاعات، وما يحظى به من ثقة لدى شرائح واسعة من المجتمع، وهي فرصة لتعزيز الحوار الوطني والاستفادة من الخبرات الأردنية داخل الوطن وخارجه، بما يجعل المشاركة في صناعة القرار جزءًا من قوة الدولة، لا عبئًا عليها.

ومن أبرز القضايا التي تستحق النظر من منظور حماية الأصول الوطنية، قضية هجرة الكفاءات. فالهجرة ليست انتقال أفراد من دولة إلى أخرى، بل انتقال رأس مال بشري استثمرت الدولة في بنائه سنوات طويلة. وعندما يغادر الطبيب أو الباحث أو الأستاذ الجامعي أو المهندس ليستقر في دولة أخرى، فإن الدولة المستقبلة تجني عائد الاستثمار، بينما تخسر الدولة التي تحملت كلفة التعليم والتأهيل جزءًا من أحد أهم أصولها.

ولهذا، اتجهت دول عديدة إلى تطوير سياسات خاصة للاحتفاظ بالكفاءات، وتحسين بيئات العمل، وتعزيز الحوافز، واستعادة الخبرات المهاجرة، لأن بناء الكفاءات يحتاج إلى سنوات، أما خسارتها فقد تحدث في فترة وجيزة إذا لم تكن السياسات قادرة على استيعاب المتغيرات.

وفي السياق ذاته، فإن المحافظة على الطبقة الوسطى ليست هدفًا اجتماعيًا فحسب، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية، لأنها تمثل الشريحة الأكثر إنتاجًا، والأوسع مساهمة في التنمية، والأقدر على تحقيق التوازن والاستقرار. وكلما تعرضت هذه الطبقة للضعف، تراجعت قدرة الاقتصاد على النمو، وازدادت الضغوط على مؤسسات الدولة.

ويبرز قطاع التعليم العالي بوصفه أحد أهم القطاعات المرتبطة مباشرة برأس المال البشري. فالأستاذ الجامعي لا يؤدي وظيفة أكاديمية فحسب، بل يسهم في إعداد الكفاءات التي ستقود مؤسسات الدولة والقطاع الخاص خلال العقود المقبلة. ومن هنا، فإن جودة بيئة العمل في الجامعات، واستقرارها، وتحفيز البحث العلمي، تمثل استثمارًا في مستقبل الدولة، وليست مجرد نفقات تشغيلية.

كما أن الملفات المرتبطة بالكهرباء والمياه والخدمات الأساسية تستحق أن تُدرس بمنهج يوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية. فالسياسات الناجحة لا تنحاز إلى جانب على حساب الآخر، وإنما تبحث عن حلول تحقق استمرارية الموارد، وتحافظ في الوقت ذاته على القدرة المعيشية للمواطن، لأن الاستقرار الاقتصادي يبدأ من استقرار الأسرة.

وفي المقابل، فإن توسيع الاستثمار في المحافظات، وإطلاق المشاريع الإنتاجية والسياحية، وتحفيز القطاع الخاص، ودعم ريادة الأعمال، وتوفير فرص عمل نوعية، تمثل سياسات تعزز بقاء الكفاءات داخل الوطن، وتحول رأس المال البشري إلى محرك للنمو الاقتصادي بدلاً من أن يصبح موردًا تستفيد منه اقتصادات أخرى.

إن القيادة الإدارية تُقاس بقدرتها على بناء سياسات تبقى آثارها بعد انتهاء الأزمات، لا بقدرتها على معالجتها فقط. فالقرارات الناجحة هي التي توازن بين متطلبات الحاضر وحقوق المستقبل، وتحمي الأصول الاستراتيجية للدولة، وتمنح المؤسسات قدرة أكبر على الاستمرار.

وأخيرًا، فإن الأردن سيبقى قويًا بتوجيهات قيادته الهاشمية، ومؤسساته، وشعبه؛ وأكثر قوة كلما أصبحت حماية أصول الدولة منهجًا في صناعة القرار، لا استجابة لظرف طارئ. فالثروة التي صنعت الأردن لم تكن وفرة الموارد، وإنما جودة الإنسان. وكل سياسة تعزز رأس المال البشري، وتحافظ على الطبقة الوسطى، وترفع كفاءة المؤسسات، هي في حقيقتها استثمار مباشر في أمن الدولة، واستقرارها، واقتصادها، ومستقبل أجيالها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم