حسن جمال الطورة يكتب: بيان على البيان .. قراءة واقعية في سيادة الأردن وحسابات الإقليم

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 18500
حسن جمال الطورة يكتب: بيان على البيان ..  قراءة واقعية في سيادة الأردن وحسابات الإقليم
حسن جمال الطورة

حسن جمال الطورة

طالعنا البيان الصادر عن بعض الشخصيات والقوى السياسية التي تعيش في الوطن، والذي يطالب بسحب وإلغاء الاتفاقيات الأمنية والعسكرية، تحت شعارات فضفاضة تتحدث عن "السيادة الوطنية" و"الحياد".

وبعيداً عن الدوافع والمواقف السياسية لمطلقي هذا البيان، فإنه يصب في خانة الشعبوية السياسية والمزايدة بالشعارات والإنشاء الخطابي، بما ينفصل كلياً عن أبسط قواعد الجغرافيا السياسية وإدارة الدول.

إن الأردن ليس جزيرة معزولة بل هو دولة راسخة السيادة والقرار، تتوسط إقليماً ملتهباً تعصف به الصراعات من كل اتجاه، وفي ظل هذه الجغرافيا المعقدة، لا تملك الدولة ترف الانعزال أو الحياد المطلق في قضايا أمنها القومي، بل إن حماية مصالحها العليا تفرض عليها انخراطاً مدروساً وواعياً في التعامل مع هذا الواقع، صوناً لأمنها واستقرارها في مواجهة العواصف الإقليمية.

إن الطرح القائل إن الأردن "ليس طرفاً"، وكأن البلاد تعيش في واحة معزولة بمنأى عن الأطماع، هو استخفاف بالحقائق وتجاهل لطبيعة التهديدات الوجودية التي تواجه الدولة.

فالعقود الماضية شهدت وما تزال، محاولات دؤوبة وممنهجة لزعزعة الاستقرار الوطني واختراق الجغرافيا الأردنية من قبل قوى إقليمية وميليشيات خارجة عن القانون، سعت وتسعى إلى تحويل الوطن إلى ممر لتنفيذ أجنداتها التخريبية.

وتمثل حرب المخدرات والتهريب المنظم عبر الحدود الشمالية وما تقف وراءها من شبكات إقليمية ترعاها أطراف معروفة، دليلاً على أن الأردن كان وما يزال مستهدفاً في أمنه القومي واستقلاله، ولا سيما من قبل النظام الإيراني وأذرعه في المنطقة، ولولا يقظة قواتنا المسلحة الأردنية الجيش العربي وبسالة منتسبيها وكفاءة أجهزتنا الأمنية الساهرة على حماية الحدود لكانت هذه المخططات قد ألحقت أضراراً جسيمة بأمن الوطن وسيادته.

من المثير للاستغراب أن تتبنى هذه الشخصيات خطاب "السيادة المطلقة" عندما يتعلق الأمر بالأردن، بينما تغض الطرف تماماً عن ممارسات دول أخرى تمجد سياساتها أو تبرر أفعالها.

فعلى سبيل المثال ألم تسمح طهران للقاذفات الاستراتيجية الروسية باستخدام قاعدة همدان الجوية لتنفيذ عمليات عسكرية؟ وهل سمعنا حينها صوتاً واحداً من هذه الشخصيات يتحدث عن انتقاص السيادة الإيرانية؟

وكذلك تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تستضيف قاعدة إنجرليك، إحدى أهم القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، ولم يصفها أحد بأنها دولة منقوصة السيادة.

فهل تصبح السيادة مبدأً ثابتاً عندما يتعلق الأمر بالأردن فقط، بينما تتحول إلى مفهوم قابل للتأويل عندما يتعلق الأمر بحلفاء هذه القوى؟ أم أن المعايير تُفصّل وفقاً للاصطفافات السياسية والأيديولوجية؟.

أما فيما يثيره البيان من حديث إنشائي حول الاتفاقيات العسكرية فنقول بمنتهى الوضوح إن إدارة الدولة لا تبنى على العواطف أو الشعارات، وإنما على فقه الواقع ومتطلبات الأمن الوطني.

فما يمتلكه الأردن من ترتيبات تعاون عسكري أو أمني ليس قواعد قتالية منتهكة للسيادة، وإنما شراكات واتفاقيات سيادية تنظمها الدولة بما يخدم مصالحها العليا، شأنها شأن عشرات الدول المستقلة التي توائم بين استقلال قرارها ومتطلبات أمنها القومي.

وإذا كان البيان قد أغرق صفحاته بالحديث عن السيادة والاستقلال فإن اللافت أنه خلا تماماً من أي شجب أو إدانة للعدوان الإيراني المتكرر على الأردن، سواء من خلال انتهاك المجال الجوي، أو عبر دعم شبكات تهريب المخدرات والسلاح، أو من خلال رعاية الميليشيات التي استهدفت أمن المملكة واستقرارها.

إن هذا الصمت الانتقائي يثير تساؤلات مشروعة؛ فكيف يرفع شعار الدفاع عن السيادة، بينما يتجاهل العدوان الذي تعرض له الأردن بصورة مباشرة وغير مباشرة؟ وكيف تهاجم خيارات الدولة الدفاعية، في حين يغيب أي موقف واضح يدين مصدر التهديد الحقيقي؟.

إن الدفاع عن السيادة لا يكون بالانتقائية، بل بإدانة كل عدوان يستهدف الوطن أياً كان مصدره، ووضع أمن الأردن فوق أي اعتبارات أيديولوجية أو حسابات سياسية.

إن التغني بالجيش العربي ومحاولة توجيه عقيدته الوطنية عبر بيانات تصدر عن قوى سياسية أو شخصيات عامة، ليس سوى محاولة مكشوفة لممارسة الوصاية على مؤسسة وطنية تعرف واجباتها الدستورية والتاريخية.

فالجيش العربي كان وسيبقى درع الوطن وسياجه المنيع وعقيدته راسخة في الدفاع عن الأردن وحماية حدوده وصون أمنه الوطني، وهو الأدرى بكيفية أداء واجبه بعيداً عن بيانات تعبّر عن أجندات ضيقة أو حسابات سياسية آنية.

الثابت إن الدولة الأردنية تدار بحكمة مؤسساتها ووعي شعبه وصلابة جيشها وكفاءة أجهزتها الأمنية، وليس بمنطق البيانات الاستعراضية التي تبحث عن تسجيل مواقف شعبوية على حساب أمن الوطن واستقراره.

وسيظل الأردن حراً، سيداً، مستقلاً، يتخذ قراراته الوطنية وفق مصالحه العليا، ويرفض كل عدوان يستهدف أرضه أو سيادته، وسيبقى قادراً على حماية أمنه الوطني وخياراته السيادية، بعيداً عن المزايدات والشعارات والأجندات.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم