كلما تلقت إيران صفعة أمنية أو عسكرية سارعت إلى البحث عن شماعة تعلق عليها إخفاقاتها، وفي كل مرة تتكرر الرواية ذاتها، عدو خارجي مؤامرة وعملاء في كل مكان.
هذه المرة وجد الحرس الثوري الإيراني شماعته في الأردن، مدعياً أن الضربات التي استهدفت مواقع داخل المملكة استندت إلى معلومات قدمها مواطنون أردنيون.
هذا الادعاء ومزاعم تعاون مواطنين محليون اتهام يصلح لعناوين الدعاية لكنه لا يصمد أمام أول سؤال منطقي من الذي يعاني أصلًا من الاختراقات الأمنية المتكررة؟.
من المثير للسخرية والمفارقات أن يأتي هذا الخطاب من دولة تحولت فيها عمليات الاغتيال واستهداف القيادات والمنشآت الحساسة إلى مشهد مألوف، وأخبار متكررة وكأن أجهزة خصومها تخترق أدق التفاصيل.
وحين تعجز منظومة أمنية عن حماية أكثر الشخصيات حساسية في بنيتها، يصبح اتهام الآخرين بالاختراق أشبه بمن فقد مفاتيح منزله، ثم أخذ يفتش عنها في جيوب الجيران.
الأردن ليس بحاجة إلى شهادة من أحد في تماسك جبهته الداخلية، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع تجاهل خطورة الخطاب الذي يحاول تصوير وجود تعاون داخلي مع مشروع خارجي معادي لمصالح الدولة.
لذلك فإن بيان الحرس الثوري الذي تحدث عن تلقي معلومات من "مواطنين محليين" ووجه لهم الشكر، يستوجب التعامل معه بجدية سياسية وأمنية، لا لأنه يثبت شيئاً، بل لأنه يمثل جزءاً من حرب نفسية تستهدف الداخل الأردني، وتسعى إلى صناعة انطباع بوجود بيئة حاضنة أو متعاونة مع طهران.
لا ننكر وجود من يروج لخطاب "المحور" داخل الأردن، ومن يعمل على تسويق الرواية الإيرانية وتبرير سياساتها، وبعضهم لا يخفي انحيازه الأيديولوجي على حساب المصلحة الوطنية، وعلى الدولة أن تتنبه جيداً.
الأمر لا يحتاج إلى كثير من الجهد فصفحات بعض مروجي خطاب "المحور" على منصات التواصل توثق مواقفهم بوضوح، فهي لا تكتفي بالصمت تجاه الاعتداءات الإيرانية أو تبريرها، بل تتبنى الرواية الإيرانية كاملة وتهاجم كل من يخالفها، وتحاول باستمرار التشكيك بمؤسسات الدولة ومواقفها.
عمان تعمدت عدم منح الرواية الإيرانية زخماً إعلامياً لقناعاتها بأن الهدف منها يتجاوز الجانب العسكري إلى محاولة التأثير على الداخل الأردني وإيجاد انطباع انقسام أو تعاون داخلي مع طهران.
عقل الدولة لا يدار بردود الفعل، ولا ينجر إلى البيانات التحريضية أو الحملات الدعائية والخطابات الإعلامية، وإنما تتعامل معها عبر القنوات الرسمية السياسية والدبلوماسية، مدركاً أن الغاية ليست عسكرية بقدر ما هي محاولة للتأثير في الوعي العام وزرع الشك داخل المجتمع.
الأردن بنى مكانته على مفهوم الدولة، لا على الميليشيات، وعلى المؤسسة، لا على الولاءات العقائدية العابرة للحدود، ولم يكن يوماً مشروعاً مذهبياً أو أيديولوجياً يعلو على مفهوم الدولة، بل دولة قامت على فكرة الاستقرار وسيادة القانون والهوية الوطنية الجامعة، وبعيدا عن المغامرات السياسية.
أما في التجربة الإيرانية فالصورة أكثر تعقيداً، فتعدد الأجهزة وتداخل الصلاحيات، ووجود تشكيلات عسكرية ذات ولاءات عقائدية متباينة، خلقت بيئة للتنافس والصراع والنفوذ، وهو ما يفسر كثرة الاختراقات التي كشفتها الوقائع قبل أن تتحدث عنها التقارير.
ولهذا يبدو اتهام الأردن أقرب إلى محاولة للهروب من مواجهة الأسئلة الصعبة والحقيقة داخل إيران نفسها، فمن الأسهل دائماً اختراع "خائن" في الخارج من الاعتراف بأن الخلل يقين داخل البيت.
بعيداً عن جوقة المماحكة والسجال، يدرك الأردنيون أن العلاقة بين الدولة والمجتمع لم تصنع في بيانات إعلامية، ولا في معسكرات الميليشيات، وإنما تشكلت عبر عقود من الثقة والواجب والانتماء،
ولذلك فإن محاولات زرع الشك بين الأردنيين ليست سوى امتداد لحرب نفسية لن تغير من الواقع شيئاً.
المفارقة الأكثر سخرية أن من يتحدث اليوم ينسى أن سجله هو المثقل بأسئلة لم يجد لها إجابات حتى الآن كيف تتكرر الاختراقات؟ وكيف تعرف تحركات القيادات؟ وكيف تصل المعلومات الحساسة إلى الخصوم؟، هذه أسئلة تطرح في طهران، لا في عمان.
يقيناً عندما يصبح صاحب البيت الزجاجي أكثر الناس رمياً للحجارة، فلا تنتظر منه منطقاً بل مزيداً من الضجيج، وأن أكثر الروايات هشاشة هي التي تكتب هرباً من مواجهة الحقيقة.
هذه المرة وجد الحرس الثوري الإيراني شماعته في الأردن، مدعياً أن الضربات التي استهدفت مواقع داخل المملكة استندت إلى معلومات قدمها مواطنون أردنيون.
هذا الادعاء ومزاعم تعاون مواطنين محليون اتهام يصلح لعناوين الدعاية لكنه لا يصمد أمام أول سؤال منطقي من الذي يعاني أصلًا من الاختراقات الأمنية المتكررة؟.
من المثير للسخرية والمفارقات أن يأتي هذا الخطاب من دولة تحولت فيها عمليات الاغتيال واستهداف القيادات والمنشآت الحساسة إلى مشهد مألوف، وأخبار متكررة وكأن أجهزة خصومها تخترق أدق التفاصيل.
وحين تعجز منظومة أمنية عن حماية أكثر الشخصيات حساسية في بنيتها، يصبح اتهام الآخرين بالاختراق أشبه بمن فقد مفاتيح منزله، ثم أخذ يفتش عنها في جيوب الجيران.
الأردن ليس بحاجة إلى شهادة من أحد في تماسك جبهته الداخلية، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع تجاهل خطورة الخطاب الذي يحاول تصوير وجود تعاون داخلي مع مشروع خارجي معادي لمصالح الدولة.
لذلك فإن بيان الحرس الثوري الذي تحدث عن تلقي معلومات من "مواطنين محليين" ووجه لهم الشكر، يستوجب التعامل معه بجدية سياسية وأمنية، لا لأنه يثبت شيئاً، بل لأنه يمثل جزءاً من حرب نفسية تستهدف الداخل الأردني، وتسعى إلى صناعة انطباع بوجود بيئة حاضنة أو متعاونة مع طهران.
لا ننكر وجود من يروج لخطاب "المحور" داخل الأردن، ومن يعمل على تسويق الرواية الإيرانية وتبرير سياساتها، وبعضهم لا يخفي انحيازه الأيديولوجي على حساب المصلحة الوطنية، وعلى الدولة أن تتنبه جيداً.
الأمر لا يحتاج إلى كثير من الجهد فصفحات بعض مروجي خطاب "المحور" على منصات التواصل توثق مواقفهم بوضوح، فهي لا تكتفي بالصمت تجاه الاعتداءات الإيرانية أو تبريرها، بل تتبنى الرواية الإيرانية كاملة وتهاجم كل من يخالفها، وتحاول باستمرار التشكيك بمؤسسات الدولة ومواقفها.
عمان تعمدت عدم منح الرواية الإيرانية زخماً إعلامياً لقناعاتها بأن الهدف منها يتجاوز الجانب العسكري إلى محاولة التأثير على الداخل الأردني وإيجاد انطباع انقسام أو تعاون داخلي مع طهران.
عقل الدولة لا يدار بردود الفعل، ولا ينجر إلى البيانات التحريضية أو الحملات الدعائية والخطابات الإعلامية، وإنما تتعامل معها عبر القنوات الرسمية السياسية والدبلوماسية، مدركاً أن الغاية ليست عسكرية بقدر ما هي محاولة للتأثير في الوعي العام وزرع الشك داخل المجتمع.
الأردن بنى مكانته على مفهوم الدولة، لا على الميليشيات، وعلى المؤسسة، لا على الولاءات العقائدية العابرة للحدود، ولم يكن يوماً مشروعاً مذهبياً أو أيديولوجياً يعلو على مفهوم الدولة، بل دولة قامت على فكرة الاستقرار وسيادة القانون والهوية الوطنية الجامعة، وبعيدا عن المغامرات السياسية.
أما في التجربة الإيرانية فالصورة أكثر تعقيداً، فتعدد الأجهزة وتداخل الصلاحيات، ووجود تشكيلات عسكرية ذات ولاءات عقائدية متباينة، خلقت بيئة للتنافس والصراع والنفوذ، وهو ما يفسر كثرة الاختراقات التي كشفتها الوقائع قبل أن تتحدث عنها التقارير.
ولهذا يبدو اتهام الأردن أقرب إلى محاولة للهروب من مواجهة الأسئلة الصعبة والحقيقة داخل إيران نفسها، فمن الأسهل دائماً اختراع "خائن" في الخارج من الاعتراف بأن الخلل يقين داخل البيت.
بعيداً عن جوقة المماحكة والسجال، يدرك الأردنيون أن العلاقة بين الدولة والمجتمع لم تصنع في بيانات إعلامية، ولا في معسكرات الميليشيات، وإنما تشكلت عبر عقود من الثقة والواجب والانتماء،
ولذلك فإن محاولات زرع الشك بين الأردنيين ليست سوى امتداد لحرب نفسية لن تغير من الواقع شيئاً.
المفارقة الأكثر سخرية أن من يتحدث اليوم ينسى أن سجله هو المثقل بأسئلة لم يجد لها إجابات حتى الآن كيف تتكرر الاختراقات؟ وكيف تعرف تحركات القيادات؟ وكيف تصل المعلومات الحساسة إلى الخصوم؟، هذه أسئلة تطرح في طهران، لا في عمان.
يقيناً عندما يصبح صاحب البيت الزجاجي أكثر الناس رمياً للحجارة، فلا تنتظر منه منطقاً بل مزيداً من الضجيج، وأن أكثر الروايات هشاشة هي التي تكتب هرباً من مواجهة الحقيقة.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات