د. اسامة عبيدات يكتب: "الهيكل الجديد لوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية: رؤية للمستقبل أم إعادة إنتاج للماضي؟"

منذ 7 ساعات
المشاهدات : 34830
 د. اسامة عبيدات يكتب: "الهيكل الجديد لوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية: رؤية للمستقبل أم إعادة إنتاج للماضي؟"
د. أسامة عبيدات

د. أسامة عبيدات

نشر ديوان التشريع والرأي مؤخراً مسودة نظام التنظيم الإداري لوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026، لإتاحة الفرصة أمام المختصين والمهتمين لإبداء الرأي في الهيكل التنظيمي المقترح للوزارة الجديدة.

وتكتسب هذه المسودة أهمية استثنائية، لأنها تأتي في مرحلة مفصلية تشهد فيها المملكة إعادة بناء منظومة التعليم وتنمية الموارد البشرية ضمن إطار مؤسسي موحد يضم التعليم المدرسي، والتعليم المهني والتقني، والتعليم العالي.

ويمثل هذا الدمج، بلا شك، تحولاً استراتيجياً في فلسفة إدارة التعليم، ويعكس إدراكاً متنامياً بأن التعليم لم يعد سلسلة من المراحل المنفصلة، بل منظومة وطنية متكاملة تبدأ من الطفولة المبكرة، وتمتد إلى الجامعة، وسوق العمل، والتعلم مدى الحياة. غير أن نجاح هذا التحول لا يقاس بقرار الدمج في حد ذاته، وإنما بقدرة التنظيم الإداري على ترجمة هذه الرؤية إلى منظومة مؤسسية متكاملة، قادرة على تحقيق الانسجام بين السياسات، وتكامل الوظائف، وتحسين المخرجات.

وعند قراءة المسودة، يبرز انطباع أولي بأن التفكير التنظيمي ما يزال، إلى حد كبير، أسيراً للمنطق التقليدي الذي حكم تنظيم وزارات التربية والتعليم لعقود طويلة، والقائم على تقسيم العمل إلى إدارات ومديريات متخصصة وفق الوظائف الإدارية المعروفة؛ كالتعليم، والمناهج، والامتحانات، والموارد البشرية، والشؤون المالية، والأبنية، والإشراف، والأنشطة. ورغم أهمية هذه الوظائف، فإن الاتجاهات العالمية الحديثة في تنظيم وزارات التعليم تجاوزت مفهوم إدارة العمليات إلى إدارة النتائج، وأصبحت تركز على التكامل بين مكونات المنظومة التعليمية، وربط التعليم بالتنمية الاقتصادية، واحتياجات سوق العمل، والمهارات المستقبلية، والابتكار، والتحول الرقمي.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن الهيكل المقترح أقرب إلى إعادة ترتيب للإدارات القائمة منه إلى إعادة تعريف للدور الاستراتيجي الذي يفترض أن تضطلع به الوزارة في العقدين القادمين.

وفيما يلي أبرز الملاحظات التي أرى أنها تستحق النقاش قبل إقرار النظام.

أولاً: غياب الجهة المؤسسية المسؤولة عن التكامل بين القطاعات التعليمية

يعد تحقيق التكامل بين التعليم المدرسي، والتعليم المهني والتقني، والتعليم العالي أحد أهم المبررات التي استند إليها قرار إنشاء الوزارة الجديدة. إلا أن مراجعة الهيكل المقترح لا تكشف عن وجود جهة مؤسسية تتولى قيادة هذا التكامل بصورة واضحة.

فأين الجهة المسؤولة عن إدارة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة؟ ومن يتابع مواءمة مخرجات التعليم المدرسي مع سياسات القبول الجامعي؟ ومن يضمن اتساق برامج التعليم المهني والتقني مع المسارات التعليمية اللاحقة واحتياجات الاقتصاد الوطني؟

إن الدمج الحقيقي لا يتحقق بوضع القطاعات المختلفة تحت مظلة وزير واحد، وإنما بإنشاء آليات مؤسسية مسؤولة عن بناء الجسور بينها، وتنسيق سياساتها، وتحقيق التكامل في البرامج والمخرجات ومؤشرات الأداء.

ثانياً: ملاحظات على بعض الارتباطات التنظيمية

تتضمن المسودة عدداً من الارتباطات التنظيمية التي تبدو بحاجة إلى مراجعة.

فقد أُلحقت مديرية ضمان الجودة بإدارة شؤون المعلمين والطلبة، في حين أن طبيعة عملها ذات بعد مؤسسي يمتد إلى جميع قطاعات الوزارة. والأقرب منطقياً أن ترتبط بإدارة التخطيط والتنسيق المشترك، بما يعزز دورها في تطوير الأداء المؤسسي وقياس الجودة على مستوى الوزارة بأكملها.

كما يثير الفصل بين مديرية التخطيط المالي والتمويل، ومديرية الشؤون المالية، تساؤلات تنظيمية مهمة. ففي المؤسسات الحديثة يمثل التخطيط المالي والتنفيذ المالي سلسلة عمل متكاملة تستوجب تنسيقاً يومياً ومستمراً، الأمر الذي يجعل الفصل بينهما بحاجة إلى مبررات تنظيمية واضحة.

ومن الملاحظ أيضاً إنشاء إدارة تحمل مسمى "إدارة الأبنية والمشاريع الدولية"، في حين لا تتضمن مكوناتها أي مديرية أو وحدة متخصصة بالمشاريع الدولية، إذ تقتصر اختصاصاتها على الشؤون الهندسية، والمشاريع، والصيانة، والأملاك. وهو ما يثير التساؤل حول المقصود بإضافة وصف "الدولية"، وما إذا كان هذا الاختصاص يتداخل مع دور مديرية الشراكات الاستراتيجية والتنسيق الدولي.

كما أن إلحاق مديرية التعليم الدامج بإدارة التخطيط والتنسيق المشترك لا يبدو منسجماً مع طبيعة عملها، التي ترتبط مباشرة بالمدارس والمعلمين والطلبة والخدمات التربوية، الأمر الذي يجعل ارتباطها بإدارة شؤون المعلمين والطلبة أكثر اتساقاً مع وظائفها.

ثالثاً: تداخل الاختصاصات وتعقيد خطوط المساءلة

لا يبدو الفارق بين مديرية التعليم العام ومديرية التعليم النظامي واضحاً بالقدر الكافي، فالتعليم النظامي يمثل في جوهره جزءاً من التعليم العام، الأمر الذي يستدعي تحديداً أكثر دقة للاختصاصات، تجنباً للازدواجية وتداخل المسؤوليات.

كما تثير وحدة المشاريع والمتابعة، المرتبطة مباشرة بالوزير، مجموعة من التساؤلات المتعلقة بطبيعة اختصاصاتها، وحدود مسؤولياتها، وعلاقتها بإدارة الأبنية والمشاريع، وبمديرية الشراكات الاستراتيجية والتنسيق الدولي. فوضوح خطوط الاختصاص يمثل أحد المبادئ الأساسية في بناء الهياكل التنظيمية الرشيدة.

ويضاف إلى ذلك توزيع مسؤوليات مديريات التربية والتعليم في المحافظات بين أكثر من أمين عام وفقاً لطبيعة الموضوع. ورغم أن هذا الترتيب قد يستهدف تعزيز التخصص، إلا أنه قد يفضي عملياً إلى تعدد المرجعيات، وتعقيد إجراءات اتخاذ القرار، وإضعاف وضوح المساءلة الإدارية، وزيادة كلفة التنسيق المؤسسي.

رابعاً: ما الذي يغيب عن الهيكل المقترح؟

وربما لا تكمن القضية فيما تضمنه الهيكل فحسب، بل فيما غاب عنه أيضاً.

فلا تظهر جهة مؤسسية تتولى استشراف احتياجات سوق العمل والمهارات المستقبلية، رغم أن اسم الوزارة يتضمن "تنمية الموارد البشرية". كما لا توجد وحدة معنية بتتبع الخريجين، وتحليل الطلب المستقبلي على المهن والمهارات، وربط نتائج هذه التحليلات بالتخطيط التعليمي.

كذلك لا يبرز حضور مؤسسي واضح لمجالات أصبحت اليوم في صميم إصلاح التعليم عالمياً، مثل الابتكار التربوي، واستشراف المستقبل، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات التعليمية، وتطوير القيادات المدرسية، وإدارة التغيير المؤسسي.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد كافياً أن تُدار المنظومة التعليمية بكفاءة تشغيلية، بل أصبح مطلوباً أن تمتلك قدرة استباقية على قراءة المستقبل، والتكيف مع تحولاته، وصناعة رأس مال بشري قادر على المنافسة في اقتصاد المعرفة.

ختاماً

تمثل المسودة خطوة مهمة وشجاعة في مسار إعادة هيكلة قطاع التعليم في الأردن، وتستحق التقدير لما تنطوي عليه من توجه نحو توحيد مكونات المنظومة التعليمية ضمن إطار مؤسسي واحد. غير أن نجاح هذا التحول لن يقاس بعدد الإدارات أو المديريات، ولا بطريقة إعادة توزيع الاختصاصات، بل بمدى قدرة الهيكل التنظيمي على الانتقال من إدارة العمليات إلى إدارة النتائج، ومن الفصل بين القطاعات إلى تكاملها، ومن الاستجابة للواقع إلى استشراف المستقبل.

فالوزارة الجديدة مطالبة بأن تكون وزارة لبناء رأس المال البشري، لا مجرد وزارة لإدارة المؤسسات التعليمية؛ وأن تقود منظومة تعليمية مترابطة، قادرة على المواءمة بين التعليم والاقتصاد، وبين المعرفة والمهارة، وبين المدرسة والجامعة وسوق العمل.

ويبقى السؤال الجوهري: هل صُمم هذا التنظيم الإداري لإدارة مؤسسات التعليم كما نعرفها اليوم، أم لبناء منظومة تعلم وتنمية موارد بشرية قادرة على مواجهة تحديات العقدين القادمين؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان التنظيم المقترح يمثل إصلاحاً مؤسسياً حقيقياً، أم أنه يعيد إنتاج التنظيمين الإداريين لعامي 2001 و2021، ولكن بمسميات جديدة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم