م. وصفي عبيدات يكتب: سورة النور… دستور الأسرة وبناء المجتمع

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 7774
م. وصفي عبيدات يكتب: سورة النور… دستور الأسرة وبناء المجتمع
جاءت سورة النور لتبني مجتمعا كاملا ، مجتمعا يحيا بالعفة والضمير وبنور الإيمان ولهذا افتتحها الله بقوله :
﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }
فاتحة تشعر قارئها ان كل ما سياتي سوف يكون فرائض تنظم حياة المجتمع وترسم منهج العيش بسلام

بدأت السورة بحماية المجتمع من أخطر الجرائم التي تهدم البيوت وتقتل الثقة بين الناس ، فجاء حد الزنا ثم جاءت العقوبة الأشد على من يقذف المحصنات بغير بينة لأن الأعراض في الإسلام ليست مجالا للظنون ولا ساحة لتصفية الحسابات

ثم جاءت حادثة الإفك لتؤكد أن الكلمة قد تكون أشد فتكا من السلاح ، ولم يكن المبتلى فيها رجلا من عامة الناس أو امرأة مجهولة ، لقد كان المبتلى رسول الله ﷺ، أطهر البشر وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أطهر نساء الأمة ، ومع ذلك أطلق المنافقون ألسنتهم وتناقل بعض المؤمنين الخبر دون تثبت حتى نزل الوحي يبرئها من فوق سبع سماوات ، وكأن الله يقول لكل من يُرمى ظلما ؛ إن براءة المظلوم ليست بأيدي الناس وإنما بيد الله الذي يعلم السرائر ويكشف الخفايا

ثم تنتقل السورة لتؤدب المجتمع كله فلا يكفي ألا تزني بل يجب ألا تتهم وألا تنشر الفاحشة وألا تتلذذ بالإشاعات وألا تكون لسانا ينقل كل ما يسمع

وتعلمنا السورة أن المؤمن إذا سمع ما يسيء إلى أخيه أو أخته فالأصل أن يحسن الظن لا أن يسارع إلى الاتهام وأن يقول كما علمه القرآن: ﴿هذا إفك مبين﴾

ثم تبني السورة حصن الوقاية قبل العلاج فتأمر الرجال والنساء بغض الأبصار وحفظ الفروج والالتزام بالحشمة والستر لأن الطهارة تبدأ من العين والقلب والفكر قبل ان تكون من الجسد ، فالسورة تنظم علاقة الرجل بزوجته في قضية اللعان حتى لا يبقى الظلم طريقا ولا الاتهام وسيلة انتقام انما جعلت لكل خصومة طريقا شرعيا يحفظ الحقوق ويصون الكرامات
ولم تغفل السورة عن أدق تفاصيل الحياة اليومية فعلمت الأبناء والخدم أدب الاستئذان وأرست حدود الخصوصية داخل البيوت لتؤكد أن الأسرة المسلمة تقوم على الاحترام والمحبة

ثم تتوج كل ذلك بالآية التي سكنت القلوب عبر الزمان :
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
وكأن هذا النور ليس نور الأبصار فقط بل نور القلوب والضمائر ، فمن فقد نور الإيمان لن تهديه كثرة القوانين ومن امتلأ قلبه بنور الله استقامت جوارحه واستقام مجتمعه

واليوم ونحن نعيش زمنا تنتشر فيه الإشاعة أسرع من الحقيقة وتُقذف فيه الأعراض بضغطة زر وتُهدم السمعة بمنشور أو تعليق أو رسالة مجهولة تبدو سورة النور وكأنها نزلت تخاطب واقعنا قبل أربعة عشر قرنا

إنها تدعونا إلى أن نصون ألسنتنا وأن نحفظ أبصارنا وأن نطهر بيوتنا وأن نبني أبناءنا على العفة والحياء وأن ندرك أن الكلمة أمانة وأن العرض أمانة وأن الأسرة أمانة وأن المجتمع كله أمانة

فإذا أردنا مجتمعا قويا متماسكا فلا يكفي أن نطالب بالإصلاح في المؤسسات بل علينا أن نبدأ بالإصلاح في النفوس والبيوت فهناك يولد المجتمع الصالح

ولعل أعظم ما تعلمنا إياه سورة النور أن الحضارات تشيد حين تشرق في القلوب أنوار الإيمان فتستنير بها البيوت ويأمن بها الناس على أعراضهم وأسرهم ومستقبل أبنائهم

ان سورة النور دستور رباني للأسرة ومنهج خالد لبناء المجتمع ولذلك علينا ان لا نقرأها على أنها سورة تتحدث عن حادثة مضت أو أحكام فقهية فحسب انما نقرأها وكأنها تخاطب بيوتنا وزوجاتنا وأبنائنا والسنتنا وعيوننا وقلوبنا

إنها تعلمنا أن العفة خُلق نعيشه ، وأن صيانة الأعراض عبادة ، وأن الكلمة أمانة وأن حسن الظن بالمؤمنين من صفاء الإيمان ، وأن الأسرة المتماسكة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع الصالح

لهذا كانت سورة النور دستورا ربانيا للأسرة ، ومنهجا خالدا لبناء المجتمع ، ونورا يهدي القلوب والأبصار ، ويصنع أمة تحفظ أعراضها وتصون بيوتها وتنهض بأخلاقها كما تنهض بعلمها وعمرانها
اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم