د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: السردية الوطنية البصرية .. الصورة الذهنية للدولة الأردنية

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 13073
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: السردية الوطنية البصرية ..  الصورة الذهنية للدولة الأردنية
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

تواجه الدول اليوم منافسة متزايدة على صورتها الذهنية، في عالم تتسارع فيه وسائل الاتصال، وتتداخل فيه الثقافات، وتتنازع فيه السرديات على وعي الأفراد والمجتمعات. ولم يعد امتلاك التاريخ أو المواقع الأثرية أو الرموز الوطنية كافيًا لصناعة حضور مؤثر، ما لم تُحسن الدولة تنظيم روايتها، وربطها بحياة المواطن، ومؤسساتها الحديثة، واقتصادها، وتطلعاتها نحو المستقبل.
ومن هنا تكتسب السردية الوطنية أهميتها بوصفها أداة لترسيخ الوحدة الوطنية، وتعزيز الثقة بالدولة، وتحصين الهوية من التشظي، وتقديم الأردن إلى العالم بصورة متماسكة تجمع بين التاريخ والحداثة. كما تسهم في دعم السياحة والاستثمار، وتنشيط الصناعات الإبداعية، ورفع مكانة المملكة ضمن أدوات القوة الناعمة.
والمقصود بالسردية الأردنية هنا أوسع من استعادة الماضي أو عرض المواقع التاريخية؛ فهي رؤية وطنية تحدد من نحن، وما القيم التي تجمعنا، وما الدولة التي نريد بناءها، وكيف نُحوّل التاريخ والجغرافيا والتراث والإنجاز المؤسسي إلى قوة تدفع المجتمع نحو المستقبل.
وفي قلب هذه السردية يقف المواطن الأردني؛ المواطن المعتدل، المنتمي إلى دولته، الملتزم بالقانون، المعتز بتنوع مجتمعه، القادر على العمل والإنتاج، والمستعد لتحمل المسؤولية العامة. وهو المواطن الذي أسهم في بناء مؤسسات وطنه، وشارك في نهضة المجتمعات العربية في التعليم، والطب، والهندسة، والإدارة، وحفظ السلام، فصارت سمعته جزءًا من صورة الأردن في الخارج.
وتمتلك الدول أدوات متعددة لبناء حضورها في العالم؛ فمنها من يعتمد على القوة الاقتصادية، ومنها من يستثمر في المعرفة والتكنولوجيا، ومنها من يجعل هويته الثقافية جزءًا من مشروعه التنموي. وخلال العقود الأخيرة أصبحت السردية الوطنية إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، لما تؤديه من دور في بناء الصورة الذهنية للدولة، وتعزيز الانتماء، وجذب الاستثمار والسياحة، ودعم الاقتصاد الإبداعي.
ويمتلك الأردن من المقومات التاريخية والحضارية والطبيعية والإنسانية ما يؤهله لبناء سردية وطنية متكاملة، تنتقل من المجال الثقافي إلى التطبيق العملي، لتصبح مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، تتكامل فيه مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع ضمن رؤية تنموية واضحة.

وتبدأ التجربة منذ اللحظة الأولى لوصول الزائر إلى مطارات المملكة والحدود البرية والبحرية، حيث تتكون الصورة الذهنية الأولى عن المملكة. ويمكن أن تعكس القاعات، والأعمال الفنية، والخط العربي، والحجر الأردني، والألوان المستوحاة من البتراء ووادي رم، هوية وطن يجمع بين الأصالة والحداثة، مع المحافظة على المعايير العالمية للمطارات الحديثة.

ثم تمتد هذه الهوية إلى الطرق، والجسور، والساحات، والحدائق، والمباني العامة، والفنادق، والأسواق، من خلال دليل وطني مرن للهوية البصرية، يحدد المبادئ العامة للتصميم دون أن يفرض قالبًا معماريًا واحدًا، وبما يحافظ على حرية الإبداع ويمنح كل مدينة ومحافظة شخصيتها المستمدة من تاريخها وبيئتها.

فالبتراء تعبر عن الإرادة الإنسانية والابتكار، ووادي رم يجسد العلاقة المتوازنة بين الإنسان والطبيعة، وطريق الحجيج يستحضر دور الأردن التاريخي بوصفه معبرًا للحضارات والقوافل، ومؤتة تروي صفحة خالدة من البطولة والسيرة النبوية، بينما تعكس جرش، وأم قيس، وجبل القلعة، والمدرج الروماني، وقلعتي الكرك وعجلون، والقلاع الصحراوية، والبحر الميت، ونهر الأردن، وسكة حديد الحجاز، الامتداد الحضاري الذي صنع شخصية المملكة عبر آلاف السنين.

وتبدأ السردية الأردنية من الحضارات الأدومية، والمؤابية، والعمونية، والأنباط، والرومانية، والبيزنطية، وتبلغ أحد تجلياتها الكبرى في الحضارة الإسلامية، ثم في الدولة الأردنية الحديثة بقيادتها الهاشمية، بما يعكس استمرارية تاريخية تجمع بين التنوع الحضاري والاستقرار السياسي.

ولا تقتصر السردية الأردنية على المواقع التاريخية الكبرى، وإنما تمتد إلى التراث المادي واللامادي الذي شكّل هوية المجتمع عبر الأجيال. فالتراث المادي يتجسد في الحجر الأردني، وبيت الشعر، والمهباش، والدلة، والفسيفساء، والخزف، وأعمال النحاس والخشب، وسكة حديد الحجاز، والقلاع، والمباني التاريخية. أما التراث اللامادي فيتمثل في قيم الكرم والضيافة، وطقوس إعداد القهوة العربية، والدبكة، والسامر، والهجيني، والحكاية الشعبية، والشعر النبطي، والأمثال، والحرف التقليدية، والمطبخ الأردني، بما تمثله من ذاكرة حية قابلة للتوظيف في التعليم، والسياحة، والصناعات الإبداعية.

وتتكامل هذه المنظومة مع الجغرافيا الأردنية؛ فالجبال، والأودية، والبادية، والأغوار، وأشجار الزيتون، وبساتين الرمان والتفاح، ليست مجرد عناصر طبيعية، وإنما مكونات أصيلة في الهوية البصرية والثقافية للمملكة.

كما أن الإنسان الأردني يمثل أحد أهم عناصر السردية الوطنية؛ بما عُرف عنه من الاعتدال، والانضباط، والكرم، والالتزام، وإسهاماته في التعليم، والطب، والهندسة، والإدارة، وحفظ السلام، داخل الأردن وخارجه، لتصبح سيرته امتدادًا لصورة الوطن في العالم.

وتجسد رمزية السيف والبندقية رسالة الدولة الأردنية عبر التاريخ؛ فالسيف يعبر عن الفروسية والشرف والإرث العربي، بينما ترمز البندقية إلى دور القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية التي وفرت البيئة الآمنة التي قامت عليها مسيرة الوطن وتحدياته.

ولا يقتصر أثر السردية على الزائر، فالمواطن هو شريكها الأول وصانعها الحقيقي. فالمدرسة، والجامعة، والحديقة، والمكتبة، والمتحف، والبلدية، والشارع، جميعها فضاءات ترسخ الهوية الوطنية وتحول السردية إلى ممارسة يومية.

ولتحقيق ذلك، يحتاج المشروع إلى إطار وطني للتنسيق، وإلى دليل مرن للهوية البصرية، وإلى شراكات واسعة بين المؤسسات الحكومية، والجامعات، والبلديات، والقطاع الخاص، والفنانين، والإعلام، مع الاستفادة من المشروعات القائمة، وربطها بخطط التنمية، دون أعباء مالية استثنائية.

كما ينبغي أن تمتد السردية إلى الفضاء الرقمي عبر التطبيقات الذكية، والواقع المعزز، والذكاء الاصطناعي، والمتاحف التفاعلية، بما يجعل الرواية الأردنية متاحة للأردني والزائر والباحث بلغات متعددة.

ولا يقتصر أثر هذا المشروع على السياحة، بل يمتد إلى الاستثمار، والصناعات الإبداعية، والاقتصاد الوطني، وتحسين صورة المدن، وتعزيز العلامة الوطنية الأردنية، بما ينعكس على تنافسية المملكة.

ولضمان استدامة المشروع، تُعتمد مؤشرات أداء واضحة، تقيس انتشار الهوية البصرية، ونمو الاقتصاد الإبداعي، ورضا المواطنين والزوار، وتطور صورة الأردن في المؤشرات الدولية ذات الصلة.

إن السردية الأردنية التي يحتاجها الوطن لا تتوقف عند تعريف الناس بالماضي، وإنما تساعد على بناء المستقبل. فهي تقدم دولة تستند إلى شرعيتها التاريخية ومؤسساتها الحديثة، وتحمي وحدتها الوطنية، وتعتز بهويتها العربية والإسلامية والهاشمية، وتحترم التنوع، وتستثمر في الإنسان والمعرفة والاقتصاد والإبداع.
والدولة التي تسعى هذه السردية إلى ترسيخها هي دولة القانون والمؤسسات، والأمن المصحوب بالتنمية، والاعتدال المقرون بالقوة، والهوية المنفتحة على العصر. دولة ترى في تاريخها مصدرًا للثقة، وفي مواطنها شريكًا في القرار والبناء، وفي ثقافتها أصلًا من أصول الاقتصاد والقوة الناعمة.
أما المواطن الأردني الذي تقصده هذه الرؤية، فهو من يعرف تاريخ وطنه ويعمل على تطويره، ويحترم مؤسساته دون أن يتخلى عن مسؤوليته في تطويرها، ويعتز بهويته دون انغلاق، ويؤمن بأن الانتماء يُترجم بالعمل، واحترام القانون، وحماية المال العام، والإنتاج، والمبادرة، وخدمة المجتمع. فالسردية الوطنية لا تُقاس بما يُقال عن المواطن، وإنما بما يجسده المواطن في سلوكه اليومي.
وعندما يغادر الزائر الأردن، ينبغي أن يحمل معه أكثر من صور جميلة؛ يحمل صورة دولة عرفت كيف تنظم روايتها، وتجمع تاريخها الحضاري مع منجزها المؤسسي، وتحول تراثها إلى قيمة اقتصادية، وهويتها إلى عنصر جذب، ومواطنها إلى سفير دائم لها.
وعندها تتحول السردية التي في صفحات الكتب والروايات الشفهية، لتصبح حاضرة في المدن والمدارس والجامعات والأسواق والمطارات والمنتجات الوطنية، وفي وعي المواطن قبل ذاكرة الزائر. وهنا تتحول السردية الأردنية من تعريف بالماضي إلى مشروع لبناء الدولة، ومن خطاب ثقافي إلى أداة للتنمية والوحدة الوطنية والقوة الناعمة.
فكل شارع، وكل مدرسة، وكل متحف، وكل مبنى، وكل عمل فني، وكل منتج وطني، وكل مواطن، يمثل صفحة في كتاب الأردن الذي يقرؤه العالم كل يوم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم