د. أسامة عبيدات يكتب: قانون الجامعات وأزمة القيادة: هل نجرؤ على العبور فوق الأسوار البيروقراطية؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 13553
د. أسامة عبيدات يكتب: قانون الجامعات وأزمة القيادة: هل نجرؤ على العبور فوق الأسوار البيروقراطية؟
د. أسامة عبيدات

د. أسامة عبيدات

​في الوقت الذي يستغرق فيه مجلس النواب الأردني في مناقشة تفاصيل مشروع القانون المعدل لقانون الجامعات الأردنية لسنة 2026، وتحديداً ما يتعلق بحوكمة الجامعات ومستقبل مجالس الأمناء وصلاحياتها، نجد أنفسنا أمام استحقاق وطني لا يحتمل التجميل أو الالتفاف على جوهر الأزمة. إن النقاش المسؤول الذي ننشده اليوم يجب ألا يغرق في تفاصيل إجرائية روتينية، بل عليه أن يتجاوز ذلك ليطرح السؤال الاستراتيجي الغائب: ما هو نوع القيادة الذي تحتاجه جامعاتنا الأردنية اليوم من اجل العبور نحو المستقبل؟

​ومن واقع معايشة طويلة لقطاع التعليم والسياسات التربوية، وإدراكٍ عميق لمتطلبات إعداد القيادات وتأهيلها، يتضح لنا أن أزمة التعليم العالي لم تكن يوماً أزمة نصوص تشريعية، بل هي أزمة "فلسفة قيادة" بالدرجة الأولى. فالجامعة المعاصرة في عالم اليوم لم تعد مجرد قاعات تدريس مغلقة أو واحات أكاديمية معزولة يقتصر دورها على منح الشهادات؛ بل هي قاطرة تنموية واقتصادية، ومحرك أساسي لبناء مجتمعات المعرفة ورسم معالم المستقبل.

​لهذا، فإن الإصرار التقليدي على شرط حصول رئيس الجامعة على رتبة "الأستاذية" كبوابة وحيدة وإلزامية لتولي القيادة، هو طرح يحتاج إلى وقفة مراجعة شجاعة وجريئة. والواقع المرير يثبت أن هذا الشرط التاريخي كبّل قدرتنا على استقطاب عقول قيادية فذة قادرة على إحداث الفارق؛ ذلك أن صعود قيادات جامعية من مسارات بحثية أو أكاديمية بحتة -رغم تقديرنا البالغ لعلمهم وأبحاثهم- لا يعني بالضرورة امتلاكهم لمهارات القيادة المؤسسية الفعّالة.

​إن قيادة جامعة اليوم تتطلب مهارات استثنائية في التشبيك، والابتكار، والقدرة على التفكير بمرونة وجرأة خارج الصناديق الضيقة. لا يمكن لجامعة أن تتطور أو تجاري ركب العالمية وهي تُدار بعقلية الموظف البيروقراطي المنغلق على مكتبه، أو بقيادة لا ترى ما يدور خارج أسوار حرمها الجامعي من تحولات تقنية متسارعة واحتياجات حقيقية ومتطورة لسوق العمل.

​ما تحتاجه جامعاتنا اليوم هو إعادة صياغة كاملة لمعايير اختيار القيادات، لتصبح الكفاءة القيادية الصرفة والرؤية الاستراتيجية الاستباقية هما الأساس.

نحن بحاجة إلى قائد يمتلك القدرة الحقيقية على نسج شراكات عابرة للحدود مع قطاعات الإنتاج والاقتصاد، وتأمين الاستقلال المالي والتمويل الذاتي من خلال جذب الاستثمارات والموارد، بدلاً من بقاء الجامعة رهينة العجز المالي والاعتماد على الرسوم و جيوب الطلبة وذويهم. نحتاج قيادات قادرة على فتح قنوات اتصال حقيقية مع المؤسسات الدولية الكبرى، وقراءة تحولات المجتمع لاستشراف المهارات التي يحتاجها جيل اليوم ليكون منافساً حقيقياً في سوق العمل المتغير.

​إن رتبة الأستاذية ميزة علمية نفخر بها بلا شك، ولكنها يجب ألا تظل قيداً يحرم مؤسساتنا التعليمية من فكر قيادي حديث قادر على صناعة التغيير. إن إصلاح منظومة التعليم العالي يبدأ من قناعتنا بأن إدارة الجامعات ليست مجرد جائزة ترضية أو مكافأة نهاية خدمة لمسيرة أكاديمية تقليدية. لقد آن الأوان لنهدم الأسوار البيروقراطية ونعيد للجامعة دورها الحقيقي كرافعة للتنمية الوطنية الشاملة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم