م. صلاح طه عبيدات يكتب: الإدارة المحلية بين شرعية الصندوق وكفاءة الإدارة .. قراءة في مشروع القانون الجديد

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 7925
م. صلاح طه عبيدات يكتب: الإدارة المحلية بين شرعية الصندوق وكفاءة الإدارة ..  قراءة في مشروع القانون الجديد
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

لا تُقاس قوة الدولة بعدد قوانينها، بل بقدرتها على تحويل تلك القوانين إلى مؤسسات فاعلة تصنع التنمية وتكسب ثقة المواطنين. ومن هذا المنطلق، فإن مشروع قانون الإدارة المحلية يمثل واحدة من أهم المحطات التشريعية، لأنه لا يعيد تنظيم البلديات فحسب، بل يعيد تعريف فلسفة الحكم المحلي ودوره في التنمية الوطنية.
لقد جاءت فلسفة المشروع محمّلة بمفاهيم الحوكمة والشفافية والمساءلة والتحول المؤسسي، وهي مفاهيم أصبحت اليوم معياراً لنجاح الإدارات العامة في العالم. غير أن أي إصلاح إداري يفقد قيمته إذا تعارض مع أصل من أصول الديمقراطية، وهو احترام الإرادة الشعبية التي يفرزها صندوق الاقتراع.
فالانتخابات ليست إجراءً شكلياً يمنح الشرعية فحسب، وإنما عقد ثقة بين المواطن ومن انتخبه. وحين يختار المواطن رئيس البلدية، فإنه لا ينتخب موظفاً لإدارة الاجتماعات، بل قائداً محلياً يحمل برنامجاً تنموياً، ويتعهد بتحقيقه، ويُحاسب عليه أمام الناس. لذلك، فإن ربط المسؤولية بالسلطة ليس مجرد قاعدة إدارية، بل هو مبدأ دستوري وأخلاقي يحمي جوهر العملية الديمقراطية.
ومن هنا، فإن أي هيكل إداري يخلق مركزاً تنفيذياً موازياً للرئيس المنتخب، أو يحد من قدرته على تنفيذ رؤيته، يستحق مراجعة متأنية. فالإدارة الحديثة لا تقوم على تعدد مراكز القرار، وإنما على وضوح خطوط القيادة، ووحدة المسؤولية، وسرعة الإنجاز. وكلما تشابكت الصلاحيات، ضاعت المسؤولية، وتراجع الأداء، وأصبح المواطن أول المتضررين.
ولا يعني ذلك رفض التطوير الإداري أو التقليل من أهمية الإدارة المهنية، بل يعني أن تكون الإدارة التنفيذية أداةً لتمكين القيادة المنتخبة، لا بديلاً عنها. فالكفاءة الإدارية يجب أن تُسند الشرعية الشعبية، لا أن تنافسها، لأن الديمقراطية والإدارة الرشيدة شريكان في النجاح، لا طرفان في معادلة متعارضة.
ومن القضايا التي تستحق النقاش أيضاً، طبيعة القيادات البلدية في ظل تعقيدات الإدارة الحديثة. فالبلدية اليوم تدير استثمارات، وتخطط عمرانياً، وتبرم شراكات، وتقود مشاريع تنموية، وتتعامل مع التحول الرقمي وإدارة المخاطر والتمويل. لذلك، فإن اشتراط مؤهل علمي لا يقل عن درجة البكالوريوس لرئيس البلدية وأعضاء المجلس يمكن أن يسهم في تعزيز جودة القرار العام، شريطة أن يُناقش في إطار دستوري يوازن بين رفع الكفاءة والحفاظ على حق المواطنين في الترشح والاختيار.
أما الحوكمة الحقيقية، فلا تبدأ بالنصوص، بل بالمؤسسات. ولهذا، فإن إنشاء دائرة رقابة داخلية مستقلة في كل بلدية، تعمل وفق معايير الكفاءة والحياد والنزاهة، أصبح ضرورة أكثر منه خياراً. فالرقابة ليست أداة للعقاب، بل منظومة للوقاية، ولتحسين الأداء، ولحماية المال العام، ولتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسة.
ولا يكتمل الإصلاح دون تحول رقمي شامل. فالبلديات التي ما زالت تعتمد على المعاملات الورقية لن تستطيع مواكبة متطلبات العصر. إن رقمنة جميع الخدمات البلدية تعني تقليص البيروقراطية، وتسريع الإنجاز، والحد من الأخطاء، وإغلاق منافذ الفساد، وإتاحة الخدمات للمواطن بعدالة وشفافية.
وفي الجانب المالي، لا يمكن مطالبة البلديات بأن تكون محركاً للتنمية وهي مثقلة بالديون وضعف الموارد. فالبلدية التي تنفق معظم إمكاناتها على معالجة أعباء الماضي، لن تستطيع الاستثمار في المستقبل. ومن هنا، فإن إعادة هيكلة مديونية البلديات، وضمان تمويل مستدام يرتبط بخطط واضحة ومؤشرات أداء، يمثلان ركيزة أساسية لأي إصلاح حقيقي.
كما أن إصلاح الجهاز البلدي يتطلب إنهاء مظاهر التضارب الوظيفي، وإعادة بناء الهياكل التنظيمية على أساس الكفاءة والتخصص، بحيث يعمل كل موظف ضمن اختصاصه، ويُقيَّم وفق نتائج قابلة للقياس، لا وفق الاجتهادات أو العلاقات الشخصية.
ولأن التنمية مسؤولية مشتركة، فإن تشكيل لجنة دائمة لمتابعة الأداء والإنجاز، تضم نخبة من أصحاب الخبرة والكفاءة من المجتمع المحلي والقطاع العام، سيعزز الرقابة المجتمعية، ويثري القرار البلدي، ويقرب المؤسسة من المواطن.
إن البلدية في القرن الحادي والعشرين لم تعد جهازاً خدمياً يقتصر دوره على تعبيد الطرق وجمع النفايات، بل أصبحت مؤسسة تنموية، تقود الاقتصاد المحلي، وتجذب الاستثمار، وتحفز الابتكار، وتبني الشراكات، وتسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ولذلك، فإن نجاح مشروع قانون الإدارة المحلية لن يتحقق بمجرد إعادة توزيع الصلاحيات، وإنما بإعادة بناء فلسفة الإدارة المحلية على خمسة أعمدة متكاملة: احترام الإرادة الشعبية، والإدارة الكفؤة، والرقابة المستقلة، والتحول الرقمي، والاستدامة المالية.
فعندما تتكامل هذه الأعمدة، تصبح البلدية مؤسسة قادرة على صناعة التنمية، لا مجرد إدارة لتسيير الأعمال؛ ويصبح القانون مشروعاً لبناء مستقبل المدن والقرى، لا مجرد نصوص جديدة في الجريدة الرسمية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم