الخالدي يكتب: سلسلة “دينار واحد”

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 12317
الخالدي يكتب: سلسلة “دينار واحد”
م. سفيان الخالدي

م. سفيان الخالدي

المرحلة الثانية | رحلة في هندسة الاقتصاد الوطني

الفصل الثاني

عندما يتحول النجاح إلى منظومة وطنية

مرّ أسبوعان تقريبًا منذ بدأنا المرحلة الثانية من سلسلة دينار واحد، وكان الهدف منذ البداية ألا تبقى هذه السلسلة مجرد مقالات رأي، بل أن تصبح رحلةً لفهم الاقتصاد الوطني بطريقة مختلفة، تقوم على التفكير المنظومي الذي أسميته Jordan Economic Engineering Architecture (JEEA).

في الفصل الأول تحدثنا عن كيف يمكن لنجاح رياضي، كمشاركة النشامى في كأس العالم، أن يتجاوز حدود الملعب ليصبح فرصة للإعلام والسياحة والاستثمار والشباب، وأن النجاح الحقيقي لا يكمن في الحدث نفسه، بل في قدرتنا على البناء عليه.

أما اليوم، فننتقل إلى سؤال أكثر أهمية:

لماذا تنجح بعض المشاريع أو المبادرات لفترة قصيرة، ثم يختفي أثرها؟

الجواب في رأيي ليس نقص الأفكار، ولا ضعف الإمكانات، بل في طريقة إدارة النجاح نفسه.

ففي كثير من الأحيان نحتفل بإطلاق مشروع، أو افتتاح مبادرة، أو الإعلان عن برنامج جديد، ثم ننتقل سريعًا إلى المشروع التالي، بينما يبقى السؤال الحقيقي بلا إجابة:

ماذا تغير في حياة المواطن؟

في الإدارة الحديثة، لا يُقاس النجاح بعدد المشاريع التي أُطلقت، بل بالأثر الذي أحدثته.

ولهذا تعتمد المؤسسات الدولية، ومنها البنك الدولي، على أطر لقياس النتائج تبدأ بالمخرجات، ثم النتائج، ثم الأثر طويل المدى، لأن تنفيذ المشروع لا يعني بالضرورة أنه حقق الغاية التي أُنشئ من أجلها.

وبالمثل، تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن السياسات العامة الناجحة لا تُدار كقطاعات منفصلة، بل كنظام مترابط، لأن أي قرار في قطاع واحد ينعكس على قطاعات أخرى.

وهنا تكمن الفكرة الأساسية في هندسة الاقتصاد الوطني.

فالاقتصاد ليس مجموعة وزارات أو قطاعات تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.

إنه شبكة مترابطة من العلاقات.

فنجاح السياحة يجب أن ينعكس على الصناعة.

ونجاح الصناعة يجب أن يدعم الابتكار.

والابتكار يجب أن يخلق فرصًا للشباب.

والشباب يجب أن ينعكس أثرهم على الإنتاجية والنمو.

إذا لم يحدث هذا الترابط، فإننا نحقق نجاحات متفرقة، لكننا لا نبني اقتصادًا متماسكًا.

ولهذا لا أسأل عند إطلاق أي مشروع:

كم بلغت كلفته؟

بل أسأل:

كم قيمة أضاف للاقتصاد؟

كم فرصة عمل مستدامة خلق؟

كم قطاعًا آخر حرّك؟

وماذا سيكون أثره بعد خمس سنوات؟

هذا هو الفرق بين التفكير التقليدي والتفكير المنظومي.

التفكير التقليدي يحتفل بافتتاح المشروع.

أما التفكير المنظومي فيعتبر الافتتاح بداية العمل، لا نهايته.

ولذلك نجد أن الدول التي حققت نقلات نوعية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، لم تبنِ نجاحها على مشاريع منفردة، بل على منظومات مترابطة تربط التعليم بالصناعة، والبحث العلمي بالإنتاج، والتكنولوجيا بالتصدير.

وبالمثل، لم يكن نجاح المغرب الرياضي حدثًا عابرًا، بل نتيجة سنوات من الاستثمار في الأكاديميات، والبنية التحتية، والحوكمة، وبناء الإنسان، حتى أصبح الإنجاز الرياضي جزءًا من صورة وطنية واقتصادية أوسع.

وهذا هو الدرس الذي أعتقد أن الأردن قادر على الاستفادة منه.

لدينا الكفاءات.

ولدينا الموارد.

ولدينا رؤية التحديث الاقتصادي 2033 التي وضعت أهدافًا طموحة.

لكن نجاح أي رؤية لا يُقاس بعدد المبادرات التي أُعلنت، بل بقدرتها على تحقيق أثر مستدام يشعر به المواطن في حياته اليومية.

ومن هنا جاءت فكرة JEEA.

ليست بديلًا عن أي رؤية وطنية، وإنما إطار يساعد على ربط المبادرات ببعضها، وقياس أثرها، وتحويل كل نجاح إلى نقطة انطلاق لنجاح جديد.

ففي الهندسة، لا يكفي أن تكون كل قطعة قوية.

المهم أن تكون جميع القطع مصممة لتعمل معًا.

والاقتصاد لا يختلف عن ذلك.

قد ينجح مشروع بمفرده.

لكن الوطن لا ينهض إلا عندما تتحول النجاحات الفردية إلى منظومة وطنية متكاملة.

وهنا أصل إلى المبدأ الثاني في هندسة الاقتصاد الوطني:

كل مشروع لا يُقاس أثره، قد يتحول مع الوقت إلى كلفة، مهما كانت نواياه جيدة.

فالنية تبدأ المشروع.

لكن القياس هو الذي يحميه.

والتطوير هو الذي يمنحه الاستدامة.

تأمل JEEA

النجاح ليس حدثًا نحتفل به… بل منظومة نتعلم منها ونبني عليها.


م. سفيان الخالدي

Founder & Chief Architect
Jordan Economic Engineering Architecture (JEEA)

نُصمم الاقتصاد… ليشعر المواطن بالأثر.

Designing Economies. Delivering Impact.

المبدأ الأول:
لا يوجد نجاح يجب أن يعمل وحده… كل نجاح يجب أن يصنع نجاحًا آخر.

المبدأ الثاني:
كل مشروع لا يُقاس أثره… قد يتحول مع الوقت إلى كلفة، مهما كانت نواياه جيدة.

ص
ك
ر

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم