يوسف الطورة يكتب: مواطن بلا أسئلة

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 37880
يوسف الطورة يكتب: مواطن بلا أسئلة
يوسف الطورة

يوسف الطورة

كنت مواطناُ صالحاً أو هكذا أخبروني، أمشي على أطراف أصابعي بمحاذاة الحائط هادئاً كصيف بلا ريح، اتجنب كل حركة قد تهزه، لم أكن أسأل كثيراً، ولم أشك كثيراً، ولم أرفع رأسي أعلى من قامته.

كنت أعرف حدودي جيداً، صحيح أنني لا أصفق عندما يطلب مني التصفيق، ولا اهتف كلما احتاجت الحكومات إلى دليل جديد على شعبيتها، ولكنني أصمت عندما يصبح الصمت واجباً وطنياً.

لم أجتهد يوماً في البحث عن الحقيقة، فقد تربيت على أن الحقيقة اذا تعددت أصبحت مؤامرة، كانت نشرة الأخبار الرسمية وافية لا تترك فراغاً لسؤال، ولا تسمح بولادة شك.

حتى المذياع لم أجرؤ على إدارة مؤشره نحو محطة أخرى، استقر في داخلي يقين راسخ بأن الحقيقة لا تقال إلا بصوت المذيع المتجهم الذي يتعامل مع الابتسامة كأنها جريمة تمس هيبة الدولة وتنتقص من هيبة الصالح العام.

كنت كتوماً بحواس معطلة، وسمع انتقائي يشبه مزاجية كبار السن، ولأن الظن عند العرب بمعنى اليقين كنت أظن أن الوطنية هي الطاعة، وأن الصمت حكمة وفضيلة، وأن تكرار ما يقال في الرواية الرسمية نوع من الإخلاص.

كلما ضاق الحائط من حولي قلت إنه يحتضنني، وكلما ارتفع أقنعت نفسي أنه يحميني، وكلما حجب الضوء والشمس شكرت حكمته، ولم يخطر ببالي أن السجن أيضاً يوفر ظلاً.

ثم اكتشفت متأخراً أن المواطن الصالح كما أرادوه ليس مواطناً، بل مشروع صمت يرى بعين واحدة، ويسمع بأذن واحدة، ويفكر بعقل مستعار، أما عقله الحقيقي فمكانه على أرفف مستودع الأسئلة الممنوعة.

لا يخافون من الجاهل بل من الذي يقرأ، لا يقلقهم الفقر بل الفقير الذي يسأل أين ذهبت الثروات؟، النخب لا تريد منك أن تصدقها بل تريدك أن تكذب على نفسك من أجلها.

يريدونك أن ترى الفشل إنجازاً، والفساد شائعة، والبطالة مرحلة انتقالية وانتصاراً تكتيكياً، وانقطاع المياه اختباراً للوطنية، وارتفاع الأسعار إصلاحاً اقتصادياً، وتراجع الحريات إجراء احترازياً لحماية الحرية نفسها.

يريدونك أن تتقن فن تسمية الأشياء بغير أسمائها حتى يصبح الكذب لغة رسمية، ويتحول التصفيق بديلاً عن التفكير.

لهذا كلما سمعت مسؤولاً يطالب المواطنين بأن يكونوا "صالحين" أتفقد جيبي أولاً، غالباً ما تكون هناك ضريبة جديدة، فاتورة ستدفع كرهاً لاطواعية، أو حرية أقل، أو كذبة أكبر تنتظر جمهوراً يصفق لها.

أعترف أنني لم أعد مواطناً بالمعايير التي جعلت من الطاعة فضيلة مطلقة، ومن الصمت حكمة، ومن التصفيق إنجازاً ومن التفكير تهمة.

يقيناً الأوطان لا تبنيها الجدران بل العقول، ولا يحرسها الخوف بل المساءلة، ولا يقويها التصفيق بل النقد، أما المواطن الذي يقضي عمره كله بمحاذاة الحائط فلن يعرف أبداً إن كان الحائط يسنده أم يسجنه.

واليوم لم أعد أخشى سقوط الحائط بقدر خوفي من أن أموت وأنا أعتقد أنه كان السماء.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم