سرايا - تعد ملحمة "الأوديسة" الشعرية لهوميروس، التي يعود تاريخها إلى نحو 2800 عام، والتي جرى اقتباسها حديثاً للعرض على شاشة السينما، عملاً يتجاوز بكثير كونه مجرد قصة تقليدية عن البطولة، فبطل الملحمة، أوديسيوس، رجل يتجسد فيه الطابع البطولي، بيد أن أحداث القصة تتشكل بفعل خطط ومؤامرات وإغراءات تنسجها نساء وحوريات وساحرات وإلهات يلتقي بهن بطل القصة أثناء رحلته، وذلك ما يضفي على القصة طابعاً إنسانياً بالغ الوضوح.
وتحكي "الأوديسة" قصة جندي يوناني أسطوري يدعى أوديسيوس يسعى إلى العودة إلى مملكته إيثاكا بعد سنوات من القتال في حرب طروادة، وتمتلئ رحلته، المحفوفة بالمخاطر، طوال عشر سنوات، بتحديات ومصاعب شديدة، وهي الرحلة التي تُعرض الشهر الجاري على شاشة السينما في اقتباس فني جديد يخرجه كريستوفر نولان، بطولة مات ديمون إلى جانب نخبة من النجوم الآخرين.
هل تعد ملحمة الأوديسا أروع قصة في تاريخ البشر؟
على الرغم من أن الشخصية المحورية للقصة رجل، فإن الأوديسة عمل تتصدر فيه النساء المشهد، فمسعى البطل للعودة إلى مملكته واستعادتها يتشكل في كل منعطف بفعل خطط وإغراءات تصنعها نساء وحوريات وإلهات يعترضن طريقه، ومن ثم، فإن الأوديسة ليست سرداً تقليدياً لأحداث بطولية، بقدر ما هي قصة يتقاطع فيها الجنس والاستراتيجية والسلطة، ولا تزال تحتفظ بقدرتها على التأثير حتى يومنا هذا.
تبدأ الملحمة من قلب الأحداث، إذ يظهر أوديسيوس باكياً على ساحل جزيرة أوغيجيا، بعد قضاء سبع سنوات مع الحورية كاليبسو، وبرغم أنه برهن على بطولته في ميدان القتال خلال حرب طروادة، فإنه يبدو الآن في غاية العجز، ويزداد هذا التصور رسوخاً لأن إطلاق سراحه من الجزيرة لا يتحقق إلا بانعقاد مجلس الآلهة.
غير أن أوديسيوس ليس أسير كاليبسو بقدر ما هو أسير ذاته، ويميل القارئ المعاصر على الأرجح إلى تشخيص حالة الجمود التي يعانيها، وعجزه عن المضي قدماً وعودته إلى وطنه، بوصفها أحد أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وأن ذلك لا ينتقص من سطوة كاليبسو عليه، فقد اعترف أوديسيوس صراحة للحورية بأن زوجته بينيلوبي لا تضاهيها جمالاً، لأنها ليست سوى امرأة من البشر ستفنى.
ولم تكن بينيلوبي، زوجة أوديسيوس، سلبية طوال فترة غياب زوجها، بل قاومت ببسالة ودهاء محاولات 108 من الخاطبين احتشدوا في القصر طمعاً في الزواج منها واعتلاء عرش إيثاكا بوصفهم ملوكها الجدد، ويعد نسج بينيلوبي لكفن والد زوجها لايرتيس، ثم فكّها هذا النسيج ليلاً، من أكثر مشاهد الملحمة رسوخاً في الذاكرة، فهي، إنْ صَحَّ التعبير، هدف متحرك، ويتوقف على نجاحها في صدّ الخاطبين جانب مباشر من قدرة أوديسيوس على استعادة عرشه.
من الدلالات المهمة في الأحداث أن أبرز مؤيدي أوديسيوس بين الآلهة كانت الإلهة أثينا، بما عُرفت به من ذكاء استراتيجي، إذ ساعدته في حرب طروادة، وكانت صاحبة المبادرة في حثه على عودته إلى وطنه، ثم عندما دفعته الأمواج إلى أرض الفياشيين، ملوك البحار، وهو في حالة ضعف، خططت بمهارة عملية لإنقاذه، كما أخفت مظاهر ضعفه، وأضفت على هيئته مزيداً من البهاء حتى بدا أشبه بإله، وجديراً بما اشتهر به الفياشيون من كرم الضيافة الأسطوري، وقد ساعده ذلك في استمالة هذا الشعب البحّار، الذي وفر له المأوى والكنوز ووسيلة عبور آمنة أعادته إلى إيثاكا.
من اللافت أن الإلهة أثينا، في معظم المرات التي ظهرت فيها لأوديسيوس وابنه تيليماخوس، كانت تتخذ هيئة رجل، إذ انتحلت، على سبيل المثال، شخصية مينتيس، وهو ملك تربطه علاقات ودية بإيثاكا، كما ظهرت في هيئة رسول لدى الفياشيين، وكانت أثينا تدرك تمام الإدراك أن الرجال هم أصحاب السلطة في العالم البشري، في حين أن النساء هن من يُوجهن مجرى الأحداث عبر الحيلة والدهاء.
ويكفي أن نتأمل الشخصيات التي يلتقي بها أوديسيوس في طريقه، فبعد أن وصل إلى أرض الفياشيين، بدأ يحكي أمام مضيفيه المَلكيين ما واجهه من لقاءات، انطلاقاً من آكلي اللوتس وانتهاءً بالعملاق الأعور "سايكلوبس"، وكثيراً ما تبدو قصص أوديسيوس عن النساء الأسطوريات هي الأكثر إثارة للرعب، نظراً للطابع غير المهدِد الذي تتسم به هيئاتهن.
يعترف أوديسيوس أمام مضيفيه، على سبيل المثال، بأنه كان يتوق إلى سماع غناء السيرينات، اللواتي يسكنّ جزيرة نائية تكتنفها الصخور الخطرة في البحر الغربي، وقد جرى تصوير السيرينات في التقاليد اللاحقة والفن اليوناني على هيئة نساء ذوات ملامح طيور أو حوريات بحر، إلا أن أوديسيوس يركز على وصف غنائهن الحلو العذب، القادر على إغراء الرجال واستدراجهم إلى الموت.
وأمام السيرينات يمتد مرج تكسوه عظام الرجال الكثيرين الذين توقفوا في الماضي لسماع غنائهن، ورغم ذلك، كان أوديسيوس مستعداً للمخاطرة، فأمر رجاله بأن يربطوه على صاري سفينته حتى لا يقفز إلى البحر منجذباً إلى ذلك الغناء الجذاب، فمهما بلغ جمال أصوات السيرينات، فإنهن يَستدرجن سامعيهم إلى الموت.
وكانت سيرسي مثالاً آخر للجمال الخطِر، فكل من كان يلقاها لأول مرة يعدّها مصدر تهديد، سوى أنها، شأنها شأن السيرينات، كانت تخفي خلف مظهرها الوديع قوة سحرية، وقد صوّرها هوميروس بوصفها ساحرة تمتلك أعشاباً وعقاقير سحرية تستطيع بواسطتها تحويل رفاق أوديسيوس إلى خنازير.
بيد أن سيرسي، مثلها مثل كثير من الكائنات العجيبة التي يصادفها أوديسيوس في رحلاته، لم تكن عائقاً في طريقه فحسب، بل كانت عوناً له أيضاً، فعلى الرغم من أنها اتخذته عشيقاً لها، فإنها هيأت له أيضاً النزول إلى العالم السفلي، حيث التقى بالعرّاف تيريسياس الذي أعطاه إرشادات لازمة لعودته إلى إيثاكا.
وتتمثل الرسالة الباقية في أن الوحوش الأنثوية والحوريات الفاتنات لا يمكن ببساطة تجاهلهنّ، ولكي يحقق أوديسيوس هدفه، كان لا بد أن يخضع لهنّ إلى حد ما، ولكن من دون أن يتجاوز ذلك الحد، فالشخصيات التي كان يلتقي بها يختبرون، مراراً، قوة عزيمته وقدرته على التحلي بالاعتدال، وهي فضيلة كانت موضع تقدير بالغ لدى الإغريق القدماء.
أما القراء الذين ينظرون إلى مغامرات أوديسيوس بعين الشك، ويرجّحون أنها ليست سوى روايات من نسج خياله، اختلقها لاستمالة الفياشيين أملاً في أن يوافقوا على إعادته بحراً إلى وطنه، فسيكونون أول من يتبنى هذا التفسير الرمزي، فلعلّ أوديسيوس لم يكن يخوض صراعاً مع وحوش مادية بقدر ما كان يواجه شياطينه الداخلية التي ثبت أن كثيراً منها أكثر خفاء وخطورة مما توحي به مظاهرها.
العثور على أقدم لوحة توثق لملحمة الأوديسة
إن الطابع المراوغ لقصص أوديسيوس، بما تتسم به من روعة وثراء تصويري وقدرة على تجاوز حدود التصديق، يمثل جانباً أساسياً من سحر ملحمة هوميروس الذي يرسم ملامح أوديسيوس بوصفه بطلاً، فهو، بحسب وصف إيميلي ويلسون في ترجمتها، "رجل معقد"، ومراوغ يتقن فن الخداع، ويبدّل روايته وهويته وفقاً لما تمليه مصلحته.
كما أن ذكاء أوديسيوس، وخياله الخصب، وعيوبه الإنسانية، تجعل منه، في نهاية المطاف، أكثر أبطال العالم اليوناني القديم إنسانية. وإن قابليته للاستسلام لإغراءات النساء، ولجاذبية العوالم المهيبة، مثل عالم الفياشيين، كانت في آن واحد مصدر قوته وسبب سقوطه، ولذلك، فلا عجب أنه لا يزال يجد صدىً في نفوسنا حتى اليوم.
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
04
الأردن اليوم
هل يواجه الأردن أزمة في المقابر؟ .. دعوات لحلول شرعية وتنظيمية مع تزايد امتلاء المدافن
منذ 3 أيام
05
آخر الأخبار
منوعات من العالم
100 حالة تسمم في قرية مصرية .. والسبب مشروب فاسد
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
دراسة تحذر: إدمان الآباء للهواتف أخطر على الأطفال من إدمانهم للشاشات
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
زغاريد وغطس .. أغرب "حنة" لعريس مصري هرباً من الحر الخانق
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
الشرطة المصرية توقف فتاة روجت لأفكار خطيرة عن الزواج والانجاب العشوائي!
منذ 5 ساعات
أخبار فنية
فن
الفنانة مريم عامر منيب تحتفي بمحمد صلاح: "ملك العالم كله"
منذ 1 ساعة
فن
"عودة الفرحة" .. نجوم الفن يحتفون بإطلاق سراح فضل شاكر
منذ 2 ساعة
فن
رانيا يوسف: لم أقلق من غضب أطباء التجميل
منذ 7 ساعات
فن
تامر عاشور يحدد موعد طرح ألبوم "مراية الحب"
منذ 9 ساعات
فن
آخر تطورات حالة ماجد المصري بعد الجراحة الدقيقة في العين
منذ 9 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
النادي الفيصلي: كله النا .. أنس العوضات فيصلاوي
منذ 1 ساعة
رياضة
الأمير فيصل: حماية الرياضيين ركيزة أساسية لمستقبل رياضة المرأة
منذ 2 ساعة
رياضة
وفاة فتاة في فرنسا خلال الاحتفال بالفوز على المغرب في كأس العالم
منذ 2 ساعة
رياضة
مونديال 2026: إسبانيا تسعى لمواجهة قمّة أمام فرنسا عبر تخطّي بلجيكا
منذ 2 ساعة
رياضة
انتهت القصة .. ماذا فعل العرب في كأس العالم 2026؟
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
100 حالة تسمم في قرية مصرية .. والسبب مشروب فاسد
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
دراسة تحذر: إدمان الآباء للهواتف أخطر على الأطفال من إدمانهم للشاشات
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
زغاريد وغطس .. أغرب "حنة" لعريس مصري هرباً من الحر الخانق
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
الشرطة المصرية توقف فتاة روجت لأفكار خطيرة عن الزواج والانجاب العشوائي!
منذ 5 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات