د. تيسير رضوان الصمادي يكتب: ما وراء أرقام النمو: الاقتصاد الأردني بين مرونة القطاعات الإنتاجية وتحديات الروافع الهيكلية

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 18210
د. تيسير رضوان الصمادي يكتب: ما وراء أرقام النمو: الاقتصاد الأردني بين مرونة القطاعات الإنتاجية وتحديات الروافع الهيكلية
د. تيسير رضوان الصمادي

د. تيسير رضوان الصمادي

حسب تقديرات الحسابات القومية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة، فقد حقق الناتج المحلي الإجمالي بأسعار السوق الثابتة نموا بنسبة (2.9%) خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة مع نمو نسبته (2.7%) خلال الربع المقابل من العام الماضي. وقد جاء هذا النمو مدفوعاً، بشكل رئيسي، بنشاط القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها قطاع الزراعة الذي حقق أعلى نسبة نمو قطاعي، يليه قطاع الصناعة التحويلية، ثم قطاع التعدين والمحاجر، وقطاع إمدادات الكهرباء. حيث ساهمت هذه القطاعات، مجتمعة، بما مجموعه (1.45) نقطة مئوية؛ أو بما نسبته (50.0%) من معدل النمو المسجل. وتوحي هذه التطورات بأن الاقتصاد الوطني قد أظهر مرونة نسبية في مواجهة الصدمات، وإن كان ما يزال ينمو عند مستويات متواضعة تدور قريباً من معدلات النمو السكاني؛ مما يعني أن نصيب الفرد من الناتج الحقيقي لا يسجل أي تحسن ملموس يمكن أن ينعكس أثره على مستوى معيشة السكان.
وغني عن القول أن هذه النتائج تكتسب أهمية خاصة عند وضعها في سياقها العالمي والإقليمي؛ إذ لم تكن بداية هذا العام اعتيادية على الإطلاق بفعل الصدمة الجيوسياسية المتمثلة في اندلاع الصراع المسلح بين الولايات المتحدة وإيران في نهاية شباط/فبراير، وما تبع ذلك من اختناقات في سلاسل الإمداد والتوريد بعد إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً يمر من خلاله خُمس إمدادات العالم من الطاقة. ورغم أن هذا الحدث قد أثر على شهر واحد فقط من الربع الأول، وهو شهر آذار/مارس، إلا أن ارتداداته بدأت تظهر فوراً في تقديرات المؤسسات الدولية؛ حيث قام صندوق النقد والبنك الدوليين بتخفيض توقعات نمو الاقتصاد العالمي عموماً ليصل إلى قرابة (2.6%)، وتخفيض توقعات نمو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل حاد لتصل إلى (1.4%) لعام 2026، في ظل تداعيات تعطل خطوط الملاحة وارتفاع كلف التضخم المستورد.
وفي غمرة هذا الاضطراب، فقد تباينت مستويات الأداء في المنطقة بين تحقيق تسارع أو تباطؤ في وتيرة النمو الحقيقي: حيث سجلت دولة الإمارات العربية المتحدة نمواً ملحوظا نسبته (4.1%) في الربع الأول من هذا العام مقارنة بنمو نسبته (3.4%) في الربع الأول من عام 2025. ويعكس هذا الأداء حالة تسارع واضحة في زخم النمو الحقيقي، مدفوعة بديناميكية القطاعات غير النفطية والخدمات اللوجستية البديلة التي يبدو أنها نجحت في امتصاص جزء كبير من الصدمة. كذلك سجلت المملكة العربية السعودية نمواً حقيقياً نسبته (3.0%) مقارنة بنمو نسبته (1.5%) خلال الربع الأول من عام 2025. ويعكس ذلك أيضا تسارعاً ملموساً في وتيرة النمو نتيجة مرونة الآليات المالية واللوجستية وتعاظم قوة الطلب المحلي، بشقيه الحكومي والخاص. من جهة أخرى فقد عانت جمهورية مصر العربية من ضغوط قيدت نموها الذي بلغ قرابة (2.4%) خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بنمو بلغ (2.8%) في الربع الأول من عام 2025. وقد جاء هذا التباطؤ متأثرا بتوسع العجز التجاري بنسبة ملحوظة بلغت (48.8%) في شهر آذار وحده إثر اضطراب خطوط الملاحة الدولية. وفي ذات الاتجاه أظهرت نتائج كل من سلطنة عُمان ومملكة البحرين اتجاهاً نحو التباطؤ؛ حيث تباطأ معدل النمو في سلطنة عمان خلال الربع الأول من عام 2026 ليبلغ نحو (1.8%) مقارنة بـنمو نسبته (2.2%) للربع المقابل من العام الماضي، بينما تباطأ النمو في مملكة البحرين إلى (2.1%) مقارنة بـنمو نسبته (2.5%) لذات الفترة من العام الماضي بفعل بيئة عدم الاستقرار الاقليمي وضغوط سلاسل الإمداد.
وعند العودة إلى تحليل بيانات الناتج المحلي في الأردن، نجد أن هناك جملة من التساؤلات الهيكلية حول اتساق المؤشرات الوطنية: أولى هذه التسؤلات تبرز عند مقارنة معدلات النمو بالأسعار الثابتة (2.9%) بالنمو المسجل بالأسعار الجارية والذي قفز إلى ما نسبته (5.1%). هذا التباين يعني محاسبياً أن معدل التضخم، مقاساً بالتغير في مخفّض الناتج المحلي الإجمالي، قد بلغ حوالي (2.2%) مقارنة مع ما نسبته (1.8%) خلال الفترة المقابلة من العام الماضي. والمفارقة هنا تكمن في أن معدل التضخم، مقاسا بالتغير في الرقم القياسي لأسعار المستهلك (الذي يعكس التغير في أسعار سلة المستهلك التي تقيس أنماط إنفاق الأسر على مختلف السلع والخدمات) قد سجل تسارعا طفيفا ليقف عند ما نسبته (1.36%) مقارنة مع ما نسبته (1.0%) لذات الربع من عام 2025. وفي المقابل فقد سجل الرقم القياسي لأسعار المنتجين الصناعيين تراجعاً بنسبة (2.48%) معمقا بذلك انكماشه مقارنة مع نفس الربع من العام السابق، عندما تراجع بنسبة (1.8%). وتعكس هذه البيانات نوعا من التناقض بين مؤشرات التضخم الرئيسية والفرعية؛ والتفسير الوحيد لذلك هو أن النمو المتحقق بالأسعار الجارية قد جاء مدفوعاً بتطورات سعرية طارئة في قطاعات غير صناعية، أو أن انخفاض الأسعار عند باب المصنع لم تنعكس على المستهلك النهائي بسبب تمسك التجار والموزعين بهوامش أرباح مرتفعة، لتعويض الارتفاع في كلف الشحن والتأمين البحري المرتفعة وسيادة ظروف عدم التيقن، نتيجة المخاوف الجيوسياسية وصدمة الصراع القائم، أي أن انكماش أسعار الإنتاج قد تبدد في قنوات التوزيع قبل أن يصل إلى سلة المستهلك.

أما المفارقة الثانية والأكثر عمقاً، فتظهر في أداء قطاع الصناعة التحويلية تحديدا؛ إذ تشير البيانات إلى أنه كان الرافعة الأساسية للنمو الكلي، بمساهمة مطلقة بلغت (0.86) نقطة مئوية، ونمو قطاعي قوي قُدّر بنسبة (5.3%) بالأسعار الثابتة. ولكن المؤشرات القطاعية تشير إلى أن الرقم القياسي الفعلي لكميات الإنتاج الصناعي لنفس القطاع قد سجل نمواً متواضعا لم تتجاوز نسبته (0.05%). وعلى الرغم من أن الناتج المحلي الإجمالي يقوم على القيمة المضافة وليس على كميات الانتاج بحد ذاتها، فإن هذه النتائج تبرز مفارقة هيكلية، فكيف يمكن لقطاع إنتاجي أن يحقق نمواً حقيقياً في قيمته المضافة بنسبة (5.3%) في الوقت الذي تعاني فيه كميات إنتاجه المادية من جمود شبه تام؟ التحليل العلمي الموضوعي قد يشير إلى أن هذا النمو لم يكن نموا تشغيلياً أو ناتجاً عن توسع فعلي في خطوط الإنتاج، بل تحقق بفعل عامل خارجي تمثل في انخفاض كلف استيراد المواد الخام عالمياً في أول شهرين من العام، مما خفّض من كلف الاستهلاك الوسيط وعمّق الفارق لصالح القيمة المضافة محاسبياً. يضاف إلى ذلك إمكانية قيام الشركات الكبرى بعمليات تجميع وتخزين قسرية للمنتجات في شهر آذار نتيجة اختلال سلاسل الإمداد والتوزيع. وغني عن القول أن تراكم السلع في المخازن يُعامل دفترياً كقيمة مضافة حالية، لكنه لا يمثل حركة بيع حقيقية في السوق، ولا يولد وظائف جديدة، مما يفسر بوضوح حالة الانفصام بين الأرقام الرسمية المتفائلة والواقع الذي يعيشه الشارع ويلمسه التجار والمستهلكون على حد سواء
وفي ذات السياق القطاعي، أظهرت البيانات أداءً استثنائياً لقطاع الزراعة الذي سجل أعلى نسبة نمو قطاعي، بلغت (6.8%)، ليسهم بما مقداره (0.40) نقطة مئوية ويستحوذ وحده على ما نسبته (13.8%) من إجمالي النمو الكلي المتحقق، متفوقاً بذلك على قطاع الخدمات المالية الذي تباطأ نموه ليبلغ (2.9%) ليساهم بـحوالي (0.19) نقطة مئوية، أو ما نسبته (6.5%)، فقط، في معدل النمو الكلي. أي أن مساهمة القطاع الزراعي قد تجاوزت ضعف مساهمة قطاع الخدمات المالية. ومما لا شك فيه أن الموسم المطري الاستثنائي، الذي لم تشهده المملكة منذ سنوات طويلة، يبرر الطفرة التي سجلها قطاع الزراعة. علما بأن مساهمة هذا القطاع في معدل النمو الكلي، تاريخيا، كانت في أفضل حالاتها تدور حول ما نسبته (5.5%).
وقد جاء تباطؤ قطاع المال والتأمين انعكاساً طبيعياً لحالة مزدوجة من جانبي العرض (البنوك) والطلب (العملاء) تمثلت في معدلات الفائدة المرتفعة وظروف عدم التيقن التي تعاظمت بسبب الصراع في منطقة الخليج العربي. ومما يؤكد على ذلك، التباطؤ الحاد الذي سجلته التسهيلات الائتمانية، والتي نمت بما نسبته (1.8%)، خلال الربع الأول من هذا العام، مقارنة بما نسبته (3.1%) خلال الفترة المناظرة من عام 2025. وما الجدير ذكره أن نسبة التوسع في التسهيلات الإئتمانية خلال الربع الأول من هذا العام هي أدنى نسبة نمو يسجلها الاقتصاد منذ الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي وقعت في عام 2008، والتي ظهرت آثارها في مطلع العام اللاحق.
ومن الواضح أن هذه التطورات قد ألقت بظلالها مباشرة على قطاع الأنشطة العقارية، صاحب ثاني أكبر أهمية نسبية في الناتج المحلي بنسبة تبلغ (13.1%)، والذي عانى من تباطؤ ملموس، حيث لم يتجاوز نموه ما نسبته (0.8%)، مقابل نمو نسبته (1.1%) خلال ذات الفترة من العام السابق. ونتيجة لذلك فقد تراجعت نسبة مساهمته في معدل النمو الكلي المتحقق مما نسبته (5.2%)، أو ما مقداره (0.14) نقطة مئوية، في الربع الأول من العام الماضي إلى ما نسبته (3.8%) أو ما مقداره (0.11) نقطة مئوية خلال الربع الأول من هذا العام.
تضعنا هذه القراءة أمام حقيقة اقتصادية واضحة، وهي أن النمو المتحقق قد جاء مدفوعا بعوامل مؤقتة وموسمية، في حين ترزح بعض الروافع المستدامة للنمو الاقتصادي—كالأنشطة العقارية والخدمات المالية—تحت وطأة تباطؤ مستمر. ناهيك عن أن الربع الثاني قد تأثر بتوسع وتوقع ظروف عدم الاستقرار الجيوسياسي واستمرار الاضطراب في سلاسل التوريد.
وإذا كان من المعلوم بالضرورة، من منظور السياسة النقدية، أن البنك المركزي الأردني لا يملك ترف خفض أسعار الفائدة الأساسية في ظل الالتزام بنظام ربط سعر الصرف بالدولار، فإن هذه النتائج تستدعي اللجوء إلى أدوات بديلة وموجهة لمواجهة التحديات القائمة وامتصاص وطأة التشديد النقدي عبر مسارين متوازيين: الأول، يتمثل بتوسيع وتطوير البرامج التمويلية الميسرة للبنك المركزي. إذ يستطيع البنك استخدام سياسته الائتمانية الموجهة عبر زيادة السقوف المالية المتاحة لـ "برنامج إعادة تمويل القطاعات الاقتصادية الحيوية" بأسعار فائدة مدعومة ومخفضة وثابتة؛ وضخ سيولة مخصصة حصراً لقطاعات الإنشاءات والتطوير العقاري والصناعات التحويلية الصغيرة والمتوسطة، مما يخفف من كلفة الأموال عليها ويحفزها على الإنتاج والتشغيل، دون المساس بهيكل أسعار الفائدة العام في المملكة. أما المسار الثاني فيتمثل ببناء شراكة حكومية-مصرفية لتحفيز القطاع العقاري والتجاري. حيث يتطلب التباطؤ العميق في قطاع الأنشطة العقارية إطلاق حزمة حكومية فورية، بالتنسيق مع جمعية البنوك، تشمل تمديد وتوسيع الإعفاءات من رسوم تسجيل الشقق والأراضي، وإعادة هندسة شروط منح القروض السكنية للأسر، من خلال إطالة آجال السداد أو مرونة احتساب نسب أعباء الدين، وذلك لإنعاش الطلب الساكن في هذا القطاع الحيوي الذي يمثل ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي.
أخيرا، فقد بات من الأهمية بمكان مراجعة كلف سلاسل التوريد وهوامش الحلقات الوسيطة، حيث أن عدم انعكاس انكماش أسعار المنتجين، مثلا، على جيب المستهلك النهائي يكشف عن خلل في كفاءة السوق؛ وهو ما يوجب على الحكومة، ممثلة بوزارة الصناعة والتجارة، التدخل عبر أدواتها التنظيمية لمراجعة كلف الشحن واللوجستيات المحلية وضمان عدم استغلال ظروف "التحوط" لتعظيم هوامش أرباح الحلقات الوسيطة على حساب القوة الشرائية للمواطن.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم