الدكتور علي الصلاحين يكتب: الخوف .. حين يتحول من قيدٍ إلى قوة

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 8247
الدكتور علي الصلاحين يكتب: الخوف ..  حين يتحول من قيدٍ إلى قوة
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

الخوف... حين يتحول من قيدٍ إلى قوة. الخوف ليس ضعفًا، بل شعور فطري أودعه الله في الإنسان ليحفظ حياته ويعينه على تجنب الأخطار. غير أن الفرق بين الناس لا يكمن في وجود الخوف، وإنما في طريقة التعامل معه؛ فهناك من يجعله قيدًا يشل إرادته، وهناك من يحوله إلى دافع للحكمة، والأخذ بالأسباب، والثبات في مواجهة الشدائد. ويقدم القرآن الكريم رؤية متوازنة لهذا الشعور؛ فالأنبياء، وهم صفوة الخلق، لم يكونوا بمنأى عن الخوف، لكنه لم يمنعهم يومًا من أداء رسالتهم أو الوقوف في وجه الباطل. ومن أروع النماذج في ذلك نبي الله موسى عليه السلام، الذي بدأت رحلته وهو رضيع أُلقي في اليم بأمر الله، في مشهد جمع بين الخوف والتوكل، فقال سبحانه لأمه: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾. وهنا تتجلى حقيقة الإيمان؛ فالتوكل لا يلغي الأخذ بالأسباب، بل يمنح القلب الطمأنينة بعد بذلها. وحين كُلِّف موسى بمواجهة فرعون، لم يُخفِ ما يجده في نفسه، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ۝ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾، ثم دعا ربه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ۝ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾، وسأل أن يكون أخوه هارون عونًا له. إنها رسالة تربوية عميقة تؤكد أن الاعتراف بالحاجة إلى الدعم ليس ضعفًا، بل وعيٌ بالنفس وحسن إعداد للمهمة. وعندما وقف أمام السحرة الذين ﴿وَاسْتَرْهَبُوا النَّاسَ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، أوجس في نفسه خيفة، فجاءه التثبيت الإلهي مباشرة: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾. ثم تكرر المشهد عند البحر، حين قال بنو إسرائيل: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فأجابهم موسى بثقة المؤمن: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ثم أخذ بالسبب الذي أمره الله به فضرب البحر بعصاه، فانفلق البحر وكان النجاة من عند الله. وتؤكد السنة النبوية هذا المنهج؛ فلم يكن النبي ﷺ يدعو إلى إنكار الخوف، بل إلى تهذيبه بالإيمان، ومقاومة آثاره بالدعاء، والأخذ بالأسباب، والثبات أمام المحن. ولذلك كان يستعيذ بالله من الجبن، لأن الشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما القدرة على تجاوز تأثيره. ومن المنظور النفسي، لا يُعالج الخوف بالهرب منه، بل بفهم أسبابه، ومواجهته تدريجيًا، وتعزيز الثقة بالله ثم بالنفس، والاستفادة من دعم الأسرة والأصدقاء وأهل الخبرة. فالإنسان لا يضعف حين يطلب العون، بل يقوى حين يحسن إدارة نقاط ضعفه. إن أعظم دروس موسى عليه السلام أن الإيمان لا يمنع الشعور بالخوف، وإنما يمنع الاستسلام له. فكلما عظم اليقين بالله، وصح التوكل، وحسن الأخذ بالأسباب، تحول الخوف من عبء يثقل القلب إلى قوة تدفع الإنسان نحو الثبات والنجاح. وهكذا يصنع الإيمان إنسانًا لا يخلو من الخوف، لكنه لا يسمح للخوف أن يقوده.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم