عندما نتحدث عن "المظلومية" فإننا غالباً ننظر إليها بوصفها شعوراً بالظلم أو الإقصاء أو الحرمان، لكن القراءة الأعمق تكشف أن المظلومية ليست مجرد شعور، بل يمكن أن تتحول إلى جزء من الهوية الجماعية نفسها، وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً؛ لأن المجتمع لا يعود يدافع عن فكرة أو موقف، بل يدافع عن صورة ذاته كما يراها. في المجتمعات المحلية الصغيرة، لا تتشكل الهوية فقط من التاريخ والجغرافيا والقرابة والعادات، بل تتشكل أيضاً من الروايات التي يكررها الناس عن أنفسهم، ومع مرور الزمن تتحول هذه الروايات إلى حقائق شبه مقدسة، حتى لو كانت تحمل قدراً من المبالغة أو الانتقائية. فكل مجتمع يكتب قصته الخاصة، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح القصة قائمة بالكامل على فكرة أن المجتمع كان دائماً ضحية، وأن الآخرين كانوا دائماً سبب معاناته، وفي هذه الحالة لا تعود المظلومية وصفاً لمرحلة تاريخية، بل تصبح ركناً من أركان الهوية، ويصبح التخلي عنها أشبه بالتخلي عن جزء من الذات؛ ولهذا السبب كثيراً ما تقاوم بعض المجتمعات أي خطاب يدعو إلى النقد الذاتي، لأن هذا النقد لا يُنظر إليه بوصفه محاولة للإصلاح، بل يُفهم على أنه تهديد للرواية المُؤِسَسة للهوية الجماعية. الاقتصاد الريعي وصناعة الانتظار من أهم العوامل التي تغذي هذه الظاهرة ما يمكن تسميته بالعقل الريعي؛ والاقتصاد الريعي لا يعني فقط الاعتماد على مورد واحد للدخل، بل يعني أيضاً نشوء ثقافة اجتماعية كاملة تقوم على انتظار الفرصة أكثر من صناعتها، ففي البيئات التي يعتمد فيها الناس على مصدر اقتصادي خارجي أو شبه احتكاري، يبدأ النجاح بالارتباط بالحصول على الحصة، لا بإنتاج القيمة. وهنا تتغير طريقة التفكير تدريجياً، فبدلاً من سؤال: كيف أخلق فرصة جديدة؟ يصبح السؤال: من حصل على الفرصة الموجودة؟ وهذا التحول البسيط في ظاهر الأمر يحمل آثاراً نفسية عميقة، ففي الاقتصاد الإنتاجي ينظر الناس إلى نجاح الآخرين باعتباره دليلاً على إمكانية النجاح، أما في الاقتصاد الريعي فينظر كثيرون إلى نجاح الآخرين باعتباره اقتطاعاً من حصتهم الشخصية، بكل بساطة لأن الفرصة تُفهم على أنها كمية محدودة لا تكفي الجميع، وعندما يترسخ هذا التصور، يصبح نجاح فرد ما سبباً لتوتر عشرات الأفراد حوله، ليس لأنهم تضرروا فعلاً، بل لأنهم يشعرون أن ما حصل عليه كان ينبغي أن يكون لهم، ومن هنا تنشأ بذور الحسد الاجتماعي. المجتمع الصغير ومشكلة الرؤية القريبة في المدن الكبرى يمكن للإنسان أن ينجح دون أن يلفت انتباه أحد، أما في المجتمعات الصغيرة (القرى) فكل شيء مرئي، وكل نجاح منظور، كل فشل ملحوظ، وكل علاقة بائنة، وكل فرصة واضحة للكل، وهذا ما يجعل المقارنات اليومية جزءً من الحياة النفسية للسكان؛ فالإنسان لا يقارن نفسه بملياردير يعيش في قارة أخرى، بل يقارن نفسه بابن عمه وجاره وزميل دراسته وصديقه القديم، ولهذا تكون الانفعالات النفسية أشد وأكثر ايلاماً وأكثر استجابة لردود الأفعال غير المحسوبة، فالنجاح البعيد ربما يثير الإعجاب أحياناً، أما النجاح القريب فيثير المقارنة ويؤجج نوازع الكرة والحقد، والمقارنة المستمرة هي الوقود الأساسي للمظلومية، لأنها تجعل الإنسان يقيس قيمته بما يملكه الآخرون، لا بما أنجزه هو. كيف يُصنع البطل؟ في المجتمعات الصغيرة لا يُصنع البطل دائماً بناءً على الإنجاز، بل كثيراً ما يُصنع بناءً على توافقه مع الرواية الجماعية السائدة، فالبطل الحقيقي في الوعي الجمعي ليس بالضرورة الأكثر نجاحاً، بل الأكثر قدرة على تمثيل مشاعر الجماعة، والشخص الذي يكرر ما يريد الناس سماعه يحظى غالباً بشعبية أكبر من الشخص الذي يقول الحقيقة المزعجة، ولهذا نجد أن بعض المجتمعات تعظم من يؤكد مظلوميتها أكثر ممن يحاول معالجة أسبابها؛ فالأول يمنحها راحة نفسية، بينما الثاني يدفعها إلى مواجهة ذاتها، وهذه مواجهة مؤلمة، ولذلك فإن البطل في البيئات المُشَبَّعة بالمظلومية يكون غالباً من يجيد وصف الجرح، لا من يجيد علاجه، ومن يجيد توزيع اللوم، لا من يجيد توزيع المسؤولية، ومن يجيد استحضار الغضب، لا من يجيد صناعة الأمل. وكيف يُصنع الخائن؟ معلوم أن الوجه الآخر للبطل هو الخائن، فكل مجتمع يحتاج إلى شخص يحمّله مسؤولية ما يعانيه، وفي البيئات المتوازنة تقوم المؤسسات والقوانين والحقائق بهذه المهمة، أما في البيئات الاجتماعية المغلقة والمشحونة بالمظلومية فتقوم الشائعات والانطباعات بالدور نفسه، وهنا يظهر "الخائن الوظيفي"، وهو الشخص الذي تُسقط عليه الجماعة مخاوفها وإحباطاتها وتناقضاتها، قد يكون مسؤولاً، وقد يكون مستثمراً، وقد يكون مثقفاً، وقد يكون صاحب مبادرة، وقد يكون شخصاً مختلفاً فقط، المهم أنه يصبح وعاءً رمزياً يُحمّل كل ما لا يستطيع المجتمع تفسيره أو قبوله، إن المجتمع الذي يعجز عن فهم تعقيد الواقع يبحث دائماً عن تفسير بسيط، وهنا يظهر الخائن الذي يوفر هذا التفسير، فهو -أي الخائن- اختصار مريح لعشرات الأسئلة الصعبة، وبدلاً من تحليل الأسباب الحقيقية للأزمات، يكفي القول إن فلاناً هو السبب، وبذلك تنتهي الحاجة إلى التفكير. السرديات الشعبية وآلية إعادة إنتاج الأزمة من أخطر خصائص المجتمعات الصغيرة (المغلقة) أن القصص تنتقل فيها أسرع من الوقائع، فالناس لا يتداولون المعلومات فقط، بل يتداولون تفسيراتها أيضاً، ومع الوقت تصبح الروايات الشعبية أقوى من الحقائق الموثقة، وحين تتكرر رواية معينة لعشرات السنين فإنها تتحول إلى جزء من الوعي الجمعي، حتى لو لم يعد أحد يعرف أصلها، ولهذا نجد أحياناً أن بعض المجتمعات تعيش داخل قصص كتبتها عن نفسها قبل عقود طويلة، بينما تغير الواقع من حولها مرات عديدة، لكن الرواية بقيت كما هي، وكل جيل جديد يرثها باعتبارها حقيقة مطلقة، ثم يعيد إنتاجها للأجيال التالية، وهكذا تصبح المظلومية ميراثاً ثقافياً لا تجربة معيشة فقط. أخطر مراحل المظلومية تبلغ المظلومية ذروتها عندما تتحول من تفسير للواقع إلى أداة لرفض الواقع، عندها يصبح كل نجاح استثناءً مشبوهاً، وكل مبادرة محل ريبة، وكل مختلف موضع اتهام، وكل نقد خيانة، وكل مراجعة للذات اعتداءً على الجماعة، في هذه المرحلة يتوقف المجتمع عن التعلم، لأن التعلم يبدأ بالاعتراف بوجود خطأ، بينما تقوم المظلومية على افتراض أن الخطأ موجود دائماً عند الآخرين، ولهذا فإن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي لا تعاني من الظلم، بل تلك التي لا تجعل الظلم محور هويتها. أما المجتمعات التي تبني صورتها الذاتية على كونها ضحية دائمة فإنها تخاطر بأن تتحول المظلومية نفسها إلى سجن فكري يمنعها من رؤية الفرص، ويقيد قدرتها على النقد الذاتي، ويجعلها تدور حول جراحها القديمة بينما يتحرك العالم من حولها إلى الأمام. والحقيقة التي يصعب تقبلها أحياناً هي أن المجتمعات لا تنهكها الأزمات بقدر ما تنهكها الروايات التي ترويها لنفسها عن تلك الأزمات، ففي كثير من الأحيان لا يكون الواقع هو السجن، بل التفسير الذي اختاره الناس للواقع.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات