فيصل تايه يكتب: حين تخسر مصر أمام صافرة قبل أن تخسر أمام خصم

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 17779
فيصل تايه يكتب: حين تخسر مصر أمام صافرة قبل أن تخسر أمام خصم
فيصل تايه

فيصل تايه

هل أصبحت كرة القدم العالمية تكتب السيناريو قبل أن تبدأ المباراة؟

​ثمة مباريات تنتهي عند صافرة النهاية، ومباريات أخرى تبدأ الأسئلة الحقيقية والوجودية بعدها. ومباراة مصر والأرجنتين لم تترك خلفها مجرد نتيجة رقمية ، بل خلّفت وراءها حالة عارمة من الغضب، والذهول، والبحث عن إجابة غائبة: هل كان المنتخب المصري يواجه منافساً داخل المستطيل الأخضر فحسب ، أم كان يواجه منظومة كاملة من الظروف الموجهة التي لم تكن في صالحه؟

​لنكن واضحين؛ الأرجنتين منتخب كبير، يملك تاريخاً عريقاً، وقيمة تسويقية هائلة، وأسماء عالمية. لكن عظمة الخصم لا تعني بأي حال من الأحوال أن يُمهّد الطريق له، ولا تعني أن تمر القرارات المثيرة للجدل مرور الكرام. كرة القدم العادلة لا تمنح أحداً أفضلية مسبقة قبل ضربة البداية، مهما بلغ حجم اسمه أو بريق نجومه، وعرق اللاعبين في الميدان هو الصك الوحيد للشرف الرياضي.

​المشكلة في اللقاء لم تكمن في لقطة جدلية عابرة، بل في ذلك "الإحساس العام" بالنقص الحمايتي الذي تسرب إلى الجماهير والمتابعين طوال التسعين دقيقة؛ حيث واجه اللاعبون المصريون حالة من "السحق النفسي والذهني" نتيجة غياب الصرامة التحكيمية.

التحامات قوية لم تواجه بالحزم المطلوب، ومواقف حاسمة كان يمكن أن تغير إيقاع المباراة بالكامل لم تُدر بالطريقة التي تضمن تكافؤ الفرص. وعندما يفقد أي فريق شعوره بالحماية القانونية داخل الملعب، فإنه لا يخسر مجرد قرار تحكيمي، بل يفقد جزءاً من تركيزه الذهني وثقته في عدالة الميدان.

​الحكَم في المواجهات الكبرى لا يدير مجرد وقت زمني، بل يدير ميزان العدالة. وأحياناً، يكون "عدم اتخاذ القرار" قراراً بحد ذاته؛ فالتغاضي عن مخالفة هنا، أو التساهل مع تدخل خشن هناك تحت تأثير "سحر قميص الأرجنتين" وهيبة نجومها، يصنع تحيزاً غير واعٍ يخدم القوى التسويقية الكبرى، ويشكّل فارقاً في النتيجة يفوق تأثير تسجيل هدف.

​ثم جاءت لحظة الهدف الثالث المصري، لتكون اللحظة التي ستظل وصمة عالقة في الأذهان، وشاهداً على ظلم صارخ. بالنسبة للمصريين، كان هدفاً صحيحاً كفيلًا بإعادة رسم سيناريو اللقاء بالكامل. إن إلغاء هذا الهدف لم يكن مجرد خطأ تقني في احتساب تسلل أو خطأ؛ بل كان اغتيالاً معنوياً لريمونتادا تاريخية كُتبت بعرق وجهد استثنائي. وعندما يصنع فريق معجزة العودة أمام بطل العالم، ثم تأتي الصافرة لتطفئ هذه الجذوة بقرار مشكوك في نزاهته، فإننا لا نتحدث هنا عن خطأ في التقدير البشري، بل عن قتل متعمد لروح العزيمة والكبرياء الكروي.

​وفي عصر كرة القدم الحديثة، حيث تُسخّر التكنولوجيا لضمان النزاهة، يبرز السؤال الأكثر مرارة: لماذا تتحول تقنية الفيديو (VAR) في المواجهات الكبرى إلى أداة انتقائية؟ تُستدعى بدقة مجهرية لخدمة مصالح الكبار، وتُصاب بالعمى المؤقت أو التسرع الفاضح عندما يتعلق الأمر بحق منتخب مكافح كالفريق المصري. هذه الازدواجية في معايير التكنولوجيا هي التي تحول الغضب الرياضي من مجرد خسارة مباراة إلى قضية كرامة وطنية.

​وهنا يبرز السؤال الأكبر: أين موقف الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) من هذه التساؤلات المشروعة؟ هل يكفي أن تنتهي المباراة ويُغلق الملف؟ أم أن على المنظومة الدولية واجب تفسير القرارات المؤثرة للجماهير صوناً لصدقية اللعبة؟

​إن الجماهير لا تطلب انحيازاً لفريقها، ولا تطالب بحماية خاصة؛ بل تطلب أمراً بسيطاً وجوهرياً: أن تشعر بأن المنافسة تنطلق من نقطة تكافؤ حقيقية، وألا تصنع النجومية أو القيمة التسويقية للمنافس أفضلية غير معلنة في قرارات الحسم. وعملية الربط بين الاهتمام الدولي ببقاء الأضواء مسلطة على نجوم بعينهم وبين القرارات الجدلية لا تأتي من فراغ؛ بل هي نتيجة طبيعية لتداخل الرياضة بالإعلام وحقوق البث التجارية الضخمة.

​لكن، وبمعزل عن أي سيناريوهات خلف الكواليس، يبقى التساؤل قائماً: هل تدرك المؤسسات الكروية حجم المسؤولية الجسيمة التي تطوق أعناقها؟ فالخطأ في مواجهة تحمل أحلام وطموحات شعب كامل، يتحول مباشرة إلى أزمة ثقة في المنظومة ككل.

​مصر لا تبحث عن أعذار لتبرير الخسارة، لكنها تطلب الاحترام الذي تستحقه كقوة كروية لها تاريخها. وهذا الدرس يفرض على الكرة المصرية الإدراك بأن حماية عرق اللاعبين تتطلب أيضاً "أنياباً إدارية ودبلوماسية رياضية شرسة" في أروقة صناعة القرار، لكي لا تُستسهل حقوق المنتخبات العربية والإفريقية مستقبلاً؛ فالمنتخبات الكبرى لا تبني أمجادها وتاريخها باللاعبين الموهوبين داخل الملعب فحسب، بل بقدرتها أيضاً على حماية مكانتها وهيبتها خارج الميدان.

​في النتيجة، القضية لا تتعلق بفوز مصر أو خسارة الأرجنتين، فالأمر يتجاوز حدود الفريقين. القضية هي أن تبقى كرة القدم لعبة حية يؤمن الناس بنزاهتها وعدالتها، لا مجرد عرض مسرحي كُتبت فصوله ونهايته سلفاً قبل أن تبدأ ركلة البداية.

​لأن أجمل انتصار في عالم "الساحرة المستديرة" ليس مجرد منصة تتويج وفوز مستحق ، بل أن يغادر الجميع الملعب وهم على يقين تام بأن من فاز كان هو الأحق بها والأجدر، وليس من مهدت له الصافرة طريق العبور.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم