د. عبدالله محمد القضاه يكتب: كيف نُحوّل البلديات الأردنية إلى محركات تنموية حقيقية؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9752
د. عبدالله محمد القضاه يكتب: كيف نُحوّل البلديات الأردنية إلى محركات تنموية حقيقية؟
د.عبدالله محمد القضاه

د.عبدالله محمد القضاه

لطالما ارتبط دور البلديات في الأردن بتقديم الخدمات الأساسية البحتة، لتتبنى بذلك نموذج "الموزّع" بدلاً من أن تكون "المنتج التنموي" الفاعل. غير أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة التي نشهدها اليوم، تفرض علينا وبشكل ملحّ إعادة تعريف هذا الدور التقليدي، ودفع البلديات لتتحول إلى كيانات اقتصادية مستقلة قادرة على قيادة عجلة التنمية المحلية. فالأمر لم يعد مقتصراً على مجرد تحسين الأداء البلدي اليومي، بل يتجاوزه نحو ضرورة بناء مشروع وطني تنموي حقيقي، تشكل البلديات ركيزته الأساسية وصلبه المتين.
وفي ظل هذا المشهد، أقدم مقترح عملي يتمثل في إنشاء "صندوق وطني للتنمية المحلية"، والذي لا يُقصد به أن يكون مجرد بند إضافي يُثقل كاهل الموازنة العامة، بل ركيزة هيكلية جديدة تعيد صياغة العلاقة جذرياً بين الحكومة المركزية والإدارات المحلية، بل وبين الدولة والمواطن. هذه الرؤية لا تدعو بأي شكل إلى المغامرة بموازنة الدولة، بقدر ما تهدف إلى ترسيخ حق مكتسب للبلديات في الحصول على تمويل مستدام يحميها من التقلبات.
إن ما أقترحه بوضوح هو تخصيص نسبة لا تقل عن 10% من إيرادات الدولة لصالح البلديات، وهو رقم يعادل قرابة مليار دينار أردني سنوياً قياساً بحجم الموازنة الحالية. هذا التمويل، إذا ما تم توجيهه بفاعلية وشفافية، يمتلك القدرة على تحويل محافظاتنا الأقل حظاً إلى نماذج تنموية ناجحة ومزدهرة في غضون خمس سنوات فقط؛ فالهدف ليس تقديم منح استثنائية، بل تحقيق تمكين مالي دائم يخرج البلديات من دائرة الانتظار.
الواقع اليوم يؤكد أن البلديات الأردنية ترزح تحت وطأة ضغوط مالية هائلة، حيث بلغت ديونها المتراكمة على المواطنين نحو 350 مليون دينار. وتعود جذور هذه الأزمة جزئياً إلى استثمارات غير ناجحة، وتضخم كبير في فاتورة الأجور التي تبتلع نحو 80% من ميزانية بعض البلديات، وفقاً لما تكشفه تقارير اللجان المالية البرلمانية. أمام هذه الأرقام، تتأكد لنا عدم جدوى استمرار الاعتماد على الاقتراض المحلي أو الاكتفاء بمشاريع تنموية متواضعة لا تسمن ولا تغني من جوع. فالحلول الموضعية المؤقتة، كتقديم حوافز للمواطنين لدفع التزاماتهم، لم تعد قادرة على معالجة جوهر المشكلة، ليصبح الحل الهيكلي الحقيقي كامناً في رفد البلديات بموارد مستقرة تضمن استقلالها المالي وتنتشلها من مستنقع الديون.
قد يرى البعض أن اقتطاع نسبة 10% خطوة جريئة، لكنها مبررة تماماً؛ فهذا الاستقرار سيرسخ ثقافة مؤسسية جديدة تنقل البلديات من حالة "الاستجداء" إلى الاستقلال المالي كشريك تنموياً فاعل.
هذا الطرح ليس ضرباً من الخيال، بل هو نهج تؤكد جدواه العديد من التجارب الدولية الرائدة. في فرنسا، تخصص البلديات نحو ربع النفقات العامة للدولة، ما يمنحها مرونة هائلة لتمويل خدماتها. وفي كولومبيا، يضمن نظام "المشاركة العامة" حصة ثابتة من الضرائب المركزية للأقاليم، بينما ينص قانون الحكم المحلي في الفلبين على توجيه 40% من إيرادات الضريبة الوطنية للمحليات. هذه الأمثلة تبرهن على أن تخصيص جزء من دخل الدولة للمحليات هو ممارسة عالمية فاعلة، وتبني فكرة الصندوق الوطني في الأردن هو مجرد خطوة إجرائية تتناغم مع هذه الممارسات وتطوعها لخدمة واقعنا المحلي.
ولضمان ألا يتحول هذا التمويل إلى باب جديد لغياب العدالة، يجب أن يخضع توزيع أموال الصندوق لمعادلة تنموية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار الفروقات الجوهرية بين البلديات. وأقترح هنا معايير محددة: تخصيص 30% بناءً على عدد السكان لتلبية الاحتياجات الخدمية المتزايدة، و30% تُبنى على معدلات الفقر والاحتياج لتجسير الفجوات التنموية، و30% ترتبط بحجم الإيرادات المحلية الحالية لدعم البلديات الضعيفة مالياً، وأخيراً تخصيص 10% وفقاً للمساحة الجغرافية لضمان شمولية المشاريع في المناطق الواسعة.
ختاما، إن تمكين البلديات يتجاوز كونه مجرد عملية تحسين إداري؛ بل هو مفتاح أساسي للحفاظ على استقرار الأردن وتقدمه، وإعادة تعريف حقيقية لدور البلدية لتتحول من جهة خدمية ترهق موازنة الدولة، إلى محرك اقتصادي يرفد التنمية الشاملة.
إن أي استثمار نوجهه اليوم لبناء بلدية قوية، هو استثمار مباشر في استدامة الأردن غداً، وكل دينار يُدفع في صندوق التنمية المحلية سيعود أضعافاً على الوطن، ليصنع في كل بلدية قصة نجاح تمنح أبناءها حياة كريمة وفرصاً حقيقية للمستقبل.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم