أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: إنهاء خدمات القيادات الادارية العليا بين حق الإدارة وحق السمعة

منذ 5 ساعات
المشاهدات : 24255
أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: إنهاء خدمات القيادات الادارية العليا بين حق الإدارة وحق السمعة
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

تثير قرارات الإحالة على التقاعد وإنهاء الخدمات لشاغلي الوظائف القيادية العليا (الأمناء والمديرون العامون ومَن في حكمهم) في القطاع العام نقاشاً مهماً يتجاوز الأشخاص الذين تشملهم هذه القرارات، ليمسّ جوهر الإدارة العامة، وحدود السلطة التقديرية للحكومة، وحق المجتمع في إدارة رشيدة، وحق الموظف العام في صون سمعته وكرامته المهنية.
من أكثر الجوانب حساسية في هذه الظاهرة أن شاغل الوظيفة القيادية العليا قد يُحال إلى التقاعد أو تُنهى خدماته بصورة مفاجئة، ولا يعلم بالخبر إلا من خلال موظفيه، أو عبر المواقع الإلكترونية، أو من خلال أحاديث الناس قبل أن يتلقى تبليغاً رسمياً لائقاً. وهذا المشهد، وإن بدا للبعض مجرد تفصيل إجرائي، فإنه يحمل أثراً نفسياً ومعنوياً كبيراً، لأنه يمس كرامة الشخص الذي خدم الدولة وتولى موقعاً قياديا عاماً باسمها.
قد تكون للمفاجأة في بعض الحالات مبررات إدارية محدودة، مثل ضمان سرعة تنفيذ القرار، أو منع التأثير في مجريات العمل، أو تفادي الضغوط والوساطات، أو حماية ملفات المؤسسة عند وجود أسباب جدية تستدعي التحرك السريع؛ كما أن بعض المواقع الحساسة قد تتطلب انتقالاً فورياً حتى لا تتعطل القرارات أو تتداخل الصلاحيات. لكن هذه المبررات يمكن وضع ضوابط وآليات لمعالجتها، كم لا ينبغي أن تتحول هذه المبررات إلى قاعدة عامة، ولا يجوز تبرير إهانة المسؤول أو تركه يكتشف مصيره من الآخرين.
إن الحد الأدنى من اللياقة الإدارية يقتضي أن يُبلَّغ المسؤول المعني بقرار إنهاء خدماته أو إحالته إلى التقاعد بصورة رسمية ومحترمة قبل نشر الخبر، وأن تتاح له فرصة ترتيب عملية التسليم والتسلم، وأن تُصدر الحكومة بياناً مقتضباً يحفظ هيبة الدولة وكرامة الشخص في آن واحد. فالدولة لا تخسر شيئاً عندما تمارس سلطتها بأدب مؤسسي، بل تكسب احترام الناس وثقة العاملين في جهازها الإداري.
من حيث المبدأ، تملك الحكومة حق إعادة ترتيب بيتها الإداري، وتقييم أداء القيادات العليا، وضخ دماء جديدة في المواقع الحساسة، خاصة عندما تكون هناك حاجة إلى تطوير الأداء أو تسريع الإنجاز أو تصحيح مسار مؤسسة عامة. فالوظيفة القيادية ليست حقاً أبدياً لصاحبها، ولا ينبغي أن تتحول إلى موقع مضمون بصرف النظر عن النتائج. لكن المشكلة لا تكمن في مبدأ التغيير ذاته، بل في طريقة إدارته، وفي حجم الغموض الذي يرافق قرارات إنهاء الخدمة، وما يتركه هذا الغموض من آثار إنسانية ومؤسسية وقانونية.
عندما يصدر قرار بإنهاء خدمات مسؤول قيادي دون بيان واضح للأسباب، فإن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فراغاً؛ بل تملؤه الشائعات والتأويلات. وفي مجتمعاتنا، غالباً ما يُقرأ إنهاء خدمة المسؤول وكأنه عقوبة، أو مؤشر على خلل مالي أو إداري أو أخلاقي، حتى لو لم يكن الأمر كذلك. وهنا يقع الضرر الحقيقي. فالشخص الذي أمضى سنوات في الخدمة العامة قد يجد نفسه فجأة موضع شك، لا بسبب ثبوت تقصير أو مخالفة، بل بسبب غياب التوضيح الرسمي. وبهذا يتحول القرار الإداري من أداة لتنظيم المرفق العام إلى سبب محتمل للإضرار بالسمعة، وهي قيمة لا تقل أهمية عن المنصب أو الراتب أو الامتيازات.
ولا شك أن الحكومة قد تتحفظ أحياناً في إعلان أسباب إنهاء الخدمة خشية الدخول في نزاعات قضائية، أو خشية أن يُطعن في القرار لدى القضاء إذا لم تكن أسبابه كافية أو مقنعة. لكن هذا التحفظ، وإنْ بدا مفهوماً من زاوية قانونية ضيقة، فإنه لا يكفي لتبرير الغموض الكامل. فالإدارة الرشيدة لا تقوم على الإفراط في الكشف بما يسيء إلى الأشخاص، ولا على الصمت المطلق الذي يفتح باب الظنون، بل على صياغة متوازنة تحترم القانون والكرامة معاً. ويمكن للحكومة أن تقول، على سبيل المثال، إن القرار جاء في إطار إعادة هيكلة إدارية، أو انتهاء مرحلة تكليف، أو تقييم دوري للأداء، أو الحاجة إلى متطلبات قيادية جديدة، أو غير ذلك، دون أن تخوض في تفاصيل شخصية أو اتهامية.
لهذا الإجراء الحكومي إيجابيات لا يجوز إنكارها. أولها أنه يؤكد أن المواقع القيادية ليست حصانة دائمة، وأن البقاء في المنصب يجب أن يرتبط بالأداء والقدرة على الإنجاز. وثانيها أنه يمنح الحكومة فرصة لتجديد الإدارة العامة واستقطاب كفاءات جديدة، خصوصاً في مرحلة تتطلب سرعة في التنفيذ، ومرونة في الإدارة، وقدرة على التعامل مع التحول الرقمي والاقتصادي والاجتماعي. وثالثها أنه قد يساعد في معالجة حالات الترهل أو ضعف الانسجام بين القيادة الإدارية والسياسات الحكومية العامة. ففي الإدارة الحديثة، لا يكفي أن يكون المسؤول صاحب خبرة طويلة؛ بل يجب أن يكون قادراً على قيادة التغيير، وبناء فرق العمل، واتخاذ القرار، وتحقيق النتائج.
إن إنهاء الخدمات بطريقة غامضة دون إبداء الأسباب له سلبيات خطيرة إذا مورس دون ضوابط واضحة. وأول هذه السلبيات أنها تضعف الثقة بين القيادات الإدارية والحكومة، إذ يشعر المسؤول أن موقعه قد ينتهي في أي لحظة دون معرفة السبب الحقيقي أو معايير التقييم التي خضع لها. وهذا الشعور لا ينتج قيادات شجاعة ومبادِرة، بل قيادات حذرة ومترددة، تخشى اتخاذ القرار وتفضّل السلامة الشخصية على المصلحة العامة. وثانيها أن الغموض يفتح الباب أمام الاعتقاد بأن القرارات قد تكون شخصية أو مزاجية أو مرتبطة بتبدل الحكومات والوزراء، لا بنتائج موضوعية قابلة للقياس. وثالثها أن إنهاء الخدمة بلا تفسير قد يطعن في العدالة المعنوية، حتى لو كان القرار صحيحاً من حيث الشكل القانوني.
ومن أخطر الآثار أيضاً أن غياب الأسباب يربك الرأي العام. فالمواطن لا يستطيع التمييز بين مَن أُنهيت خدماته بسبب تقصير فعلي، ومَن غادر موقعه بسبب تغيير إداري طبيعي، ومَن انتهت مرحلته لأسباب تتعلق بإعادة توزيع الأدوار. وبهذا تختلط الحالات كلها في صورة واحدة، وتصبح السمعة المهنية للأشخاص رهينة الانطباعات. كما أن هذا الأسلوب قد يضر بصورة الدولة نفسها، لأن الإدارة التي لا تشرح قراراتها الكبرى تبدو وكأنها لا تخضع لمعايير معلنة، حتى لو كانت تملك هذه المعايير في الواقع.
الحل لا يكون بتقييد يد الحكومة ومنعها مِن تغيير القيادات، ولا يكون أيضاً بإطلاق يدها دون مساءلة أو توضيح. والمطلوب هو بناء آلية مؤسسية متوازنة، تبدأ مِن اختيار القيادات وتنتهي بتقييمها وإنهاء خدماتها عند اللزوم. فالقيادة الإدارية العليا يجب ألا تُختار فقط على أساس السيرة الذاتية أو العلاقات أو الانطباع الشخصي في المقابلة، بل وفق منظومة متكاملة تقوم على الكفاءة، والنزاهة، والخبرة، والقدرة القيادية، والنتائج القابلة للقياس.
وفي المقابل، إذا كان سبب إنهاء الخدمة يتعلق بمخالفة مالية أو إدارية أو أخلاقية، فيجب ألا يُكتفى بعبارة عامة غامضة. والمسار الصحيح هنا هو الإحالة إلى الجهات الرقابية أو القضائية المختصة، مع احترام قرينة البراءة وعدم إصدار أحكام مسبقة. فإما أن يكون الأمر مجرد تغيير إداري فيُقال ذلك بوضوح، وإما أن تكون هناك شبهة تستدعي التحقيق، فيجب أن تسلك طريقها القانوني. أما ترك الناس بين الاحتمالين فهو ظلم للشخص، وإضعاف لثقة المجتمع بالحكومة، وداخل أوساطه، وإرباك لمفهوم المساءلة.
إن الإدارة العامة الحديثة تحتاج إلى شجاعة في التغيير، لكنها تحتاج أيضاً إلى عدالة في الإجراء، كما أنها تحتاج إلى قيادات قابلة للتقييم والمساءلة. وفي الوقت ذاته تحتاج كذلك إلى حماية السمعة المهنية لمن لم تثبت عليه مخالفة. فالدولة القوية ليست تلك التي تغيّر مسؤوليها بصمت، بل التي تملك نظاماً واضحاً للاختيار، ومعايير معلنة للتقييم، وآلية محترمة لإنهاء الخدمة.
مِن هنا، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال مِن ثقافة “قرار إنهاء الخدمة” إلى ثقافة “دورة القيادة العامة”؛ أي أن يكون لكل موقع قيادي وصف وظيفي واضح، ولكل قائد أهداف معلنة، ولكل تقييم مؤشرات موضوعية، ولكل إنهاء خدمة سبب إداري مُصاغ باحترام، ولكل متضرر حق في الاعتراض أو الطعن وفق القانون. بهذه الطريقة فقط يمكن تحقيق التوازن بين حق الحكومة في إدارة مؤسساتها بكفاءة، وحق القيادات في العدالة والإنصاف، وحق المجتمع في معرفة أن المناصب العامة تُدار بمنطق الدولة لا بمنطق الأشخاص.
أما عند إنهاء الخدمة، فينبغي أن تعتمد الحكومة بروتوكولاً مؤسسياً واضحاً: تبليغ المسؤول أولاً بصورة رسمية ومحترمة، وتحديد طبيعة القرار إن كان انتهاء مدة أو إحالة إلى التقاعد أو إنهاء خدمات، وإصدار بيان عام مقتضب لا يسيء إلى الشخص ولا يخفي طبيعة القرار، وتنظيم عملية التسليم والتسلم، وتمكين المسؤول من اللجوء إلى مسار تظلم إداري إذا رأى أن القرار مجحف أو غير مستند إلى أسباب صحيحة. ومثل هذا المسار لا يضعف هيبة الحكومة، بل يرفع مِن مستوى هيبتها لأنها تظهر بمظهر الدولة الواثقة من قراراتها.
إن إصلاح الإدارة العامة لا يتحقق بمجرد تغيير الأشخاص، كما أن حماية الكرامة الوظيفية لا تعني تثبيت القيادات في مواقعها إلى ما لا نهاية. فالمطلوب هو التوازن بين حق الحكومة في اختيار فريق إداري قادر على تنفيذ سياساتها، وحق المسؤول العام في معرفة سبب مغادرته ومعاملته بما يليق بخدمته وموقعه. فالقيادة تكليف وليست ملكية شخصية، لكنها أيضاً مسؤولية لا يجوز إنهاؤها بطريقة تفتح الباب للإساءة والشكوك.
إن الدولة التي تريد إدارة قوية تحتاج إلى قرارات قوية، وهي تحتاج بالقدر نفسه إلى إجراءات عادلة وشفافة. فالقوة بلا عدالة تتحول إلى خوف، والشفافية بلا حسم تتحول إلى تردد. أما الإدارة الرشيدة فهي التي تجمع بين الحسم والإنصاف، وبين تجديد القيادات وحفظ الكرامات، وبين حق الدولة في التغيير وحق الناس في الثقة بأن القرارات العامة تصدر وفق معايير واضحة لا وفق مفاجآت غامضة.
*أمين اعم رئاسة الوزراء الأسبق / رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم