المتقاعد محمد الخطيب يكتب: حين تتحدث الأرقام .. الأمن وحده لا يكفي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 19506
المتقاعد محمد الخطيب يكتب: حين تتحدث الأرقام ..  الأمن وحده لا يكفي
عقيد متقاعد محمد الخطيب

عقيد متقاعد محمد الخطيب

كشفت الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية، استناداً إلى بيانات مديرية الأمن العام، عن صورة شاملة للواقع الجرمي في الأردن خلال السنوات الخمس الماضية. وبينما تؤكد الأرقام أن المملكة ما تزال تنعم بدرجة عالية من الاستقرار الأمني مقارنة بالعديد من دول المنطقة، فإنها في الوقت ذاته تدق ناقوس الخطر بشأن بعض الظواهر التي تتطلب معالجة تتجاوز البعد الأمني إلى أبعاد اجتماعية وتربوية واقتصادية وثقافية.
ولا شك أن المحافظة على الأمن والاستقرار في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات تمثل إنجازاً يُحسب لمديرية الأمن العام والأجهزة الأمنية كافة، التي أثبتت على الدوام كفاءة عالية في حفظ الأمن وإنفاذ القانون والتعامل مع مختلف التحديات بكفاءة واحتراف. كما أن انخفاض بعض المؤشرات، مثل الجرائم الواقعة على الإنسان خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، يعكس فاعلية الجهود الأمنية والوقائية التي تبذلها المؤسسة الأمنية.
لكن القراءة المتأنية للأرقام تكشف في المقابل عن تحديات تستحق الوقوف عندها. فالارتفاع المستمر في قضايا المخدرات، وزيادة جرائم الاحتيال والسرقات، وارتفاع حالات الإيذاء البليغ والاعتداء على الموظفين، واستمرار ظاهرة إطلاق العيارات النارية، كلها مؤشرات تدفعنا إلى طرح سؤال مهم: هل أصبحت الجريمة انعكاساً لمتغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية تتطلب أدوات معالجة جديدة؟
إن المؤسسة الأمنية، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع وحدها أن تعالج الأسباب العميقة التي تدفع بعض الأفراد إلى الجريمة. فدورها الأساسي هو حماية المجتمع وإنفاذ القانون، بينما تقع مسؤولية الوقاية على عاتق المجتمع بكل مؤسساته.
ومن هنا، فإن أهمية الدراسات التي أشارت إليها وزارة الداخلية حول العنف المجتمعي، وإطلاق العيارات النارية، وجرائم الأحداث، وسرقة المركبات، والانتحار، لا تكمن في إعدادها فحسب، بل في تحويل نتائجها إلى سياسات وبرامج عملية تشارك في تنفيذها مختلف الجهات المعنية.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى توسيع نطاق هذه الدراسات لتشمل تحليلاً أعمق للعوامل المؤثرة في السلوك الإجرامي، مثل البطالة، والفقر، والتسرب المدرسي، والإدمان، والتفكك الأسري، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، والتغيرات الثقافية، مع الاستفادة من خبرات الجامعات ومراكز البحوث الوطنية في بناء قاعدة علمية تسند القرار.
كما أن منظمات المجتمع المدني والجمعيات المحلية مدعوة إلى أن تكون شريكاً حقيقياً في الوقاية من الجريمة، من خلال تنفيذ برامج توعية، وتعزيز قيم المواطنة، ورعاية الشباب، ودعم الأسرة، وإطلاق مبادرات مجتمعية تستهدف الفئات الأكثر عرضة للمخاطر. فالأمن المجتمعي مسؤولية مشتركة، ولا يقتصر على المؤسسات الأمنية وحدها.
وفي هذا السياق، يبرز دور الإعلام أيضاً، ليس فقط في نقل الأخبار، بل في صناعة الوعي، وتصحيح المفاهيم، ومواجهة الشائعات، وتسليط الضوء على قصص النجاح، وتعزيز ثقافة احترام القانون، بما يسهم في بناء بيئة مجتمعية أكثر أمناً وتماسكاً.
لقد أثبتت مديرية الأمن العام، عبر عقود، أنها مؤسسة وطنية متطورة، لا تكتفي برد الفعل، بل تعمل على تطوير أدواتها في التحليل والوقاية، وهو ما تؤكده الدراسات التي تنفذها بصورة دورية. إلا أن نجاح هذه الجهود يتطلب شراكة أوسع مع الوزارات، والجامعات، والمؤسسات الدينية، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، حتى تتحول نتائج الدراسات إلى برامج وطنية قابلة للقياس والتقييم.
فالاستثمار الحقيقي لا يكون في مكافحة الجريمة بعد وقوعها فقط، بل في منع أسبابها قبل أن تتحول إلى ظواهر. وهذا لا يتحقق إلا عندما يصبح الأمن مشروعاً وطنياً يشارك فيه الجميع، وتصبح الوقاية مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، ورجل الدين، ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب رجل الأمن الذي سيبقى خط الدفاع الأول عن أمن الوطن واستقراره.
إن الأرقام التي أعلنتها وزارة الداخلية لا ينبغي أن تكون مجرد مادة للنقاش أو الجدل، بل فرصة لمراجعة السياسات الوقائية، وتعزيز الشراكة المجتمعية، والبناء على النجاحات الأمنية التي حققتها مديرية الأمن العام، حتى يبقى الأردن نموذجاً في الأمن والاستقرار، ليس بقوة القانون فقط، بل بقوة الوعي والمسؤولية المشتركة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم