د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: صناعة الإنجاز الرياضي .. مسؤولية مشتركة

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 9954
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: صناعة الإنجاز الرياضي ..  مسؤولية مشتركة
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

ليست كرة القدم مجرد مباراة تبدأ بصافرة وتنتهي بنتيجة. إنها خلاصة سنوات طويلة من الرعاية، والاختيار، والتدريب، والثقافة، والتمويل، والإدارة، وما يظهر في الملعب ليس إلا آخر مشهد في حكاية بدأت قبل ذلك بكثير.

فاللاعب لا يولد في المنتخب، بل يتشكل في البيت، والمدرسة، والحي، والنادي، والأكاديمية. هناك تُبنى ثقته بنفسه، وتتكون شخصيته، وتتحدد قدرته على القرار، والمبادرة، والإبداع تحت الضغط. لذلك فإن الخسارة أحيانًا لا تبدأ عند الدقيقة التسعين، بل تبدأ حين لا يجد الطفل الموهوب ملعبًا مناسبًا، أو مدربًا مؤهلًا، أو أسرة مطمئنة لمسار الرياضة، أو جهة ترعى موهبته حتى النهاية.

ومن الظلم أن نحاكم اللاعب العربي بمعزل عن بيئته. فالفارق بين كثير من المدارس الكروية العالمية ومنتخباتنا ليس فارق موهبة فقط، بل فارق منظومة. اللاعب هناك يحظى برعاية متكاملة منذ المدرسة: تدريب، تغذية، طب رياضي، إعداد نفسي، احتكاك، وتمويل. أما عندنا، فكثير من المواهب تقطع الطريق وحدها، وتقاوم الظروف قبل أن تقاوم الخصم.

ولو أردنا تقريب الصورة، فإن بعض اللاعبين في العالم يعملون كمن زُوّدوا بوقود عالِ الجودة منذ البدايات، بينما نطلب من لاعبينا أن يقطعوا الطريق نفسه بوقود أقل، ورعاية أقل، وفرص أقل. ومع ذلك، حين يقاتلون داخل الملعب ويقدمون أداءً مشرفًا، فهم لا يمثلون أنفسهم فقط، بل يمثلون قدرة الإنسان العربي على الحضور رغم نقص الأدوات.

ولا يمكن تجاهل العامل المالي. فالرياضة الحديثة لم تعد موهبة وحماسة فقط، بل صناعة متكاملة تحتاج إلى تمويل مستقر، وشركات راعية، وأكاديميات قوية، ومدربين مؤهلين، وطب رياضي، وإدارة محترفة. وكلما غاب الاستثمار الطويل في اللاعب، بقي الإنجاز مرتبطًا بالصدفة أو الجيل الاستثنائي، لا بالمؤسسة المستدامة.

كما أن الثقافة المجتمعية ما زالت تمثل حاجزًا صامتًا. فكثير من الأهالي لا يرون الرياضة مسارًا آمنًا للمستقبل، بل هواية جميلة ما لم تتعارض مع الدراسة والوظيفة التقليدية. وهنا تضيع مواهب كثيرة قبل أن تُكتشف، لا لأنها لا تملك القدرة، بل لأن المجتمع لم يمنحها الثقة الكافية لتكمل الطريق.

وعلى مستوى الأردن، بدأت خطوات مهمة في تطوير القطاع الرياضي، من خلال الاهتمام بالبنية التحتية، والفئات العمرية، وبرامج اكتشاف المواهب، ورفع مستوى الاحتراف الإداري والفني. وهي خطوات تستحق التقدير والبناء عليها، لكنها تحتاج إلى استمرارية أوسع، وشراكة أعمق مع القطاع الخاص، ودور أكبر للشركات في رعاية الأكاديميات واللاعبين، إلى جانب تعزيز الطب الرياضي والإعداد النفسي والتغذية الرياضية.

إن صناعة المنتخب لا تبدأ عند إعلان القائمة، ولا تنتهي عند تغيير المدرب. المنتخب يُصنع في المدرسة، والأسرة، والنادي، والملعب الصغير، وفي السياسات الرياضية والتعليمية والاقتصادية التي تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأذكى إلى الإنجاز.

كرة القدم ليست قدمًا تركض فقط، بل عقل يقرر، ونفس تصمد، وجسد يُرعى، ومؤسسة تحمي الموهبة من الانطفاء.

ولهذا، فإن تطوير منتخباتنا لا يحتاج إلى انفعال بعد كل خسارة، بل إلى مشروع طويل النفس؛ يبدأ من الطفل، ويحترم اللاعب، ويطمئن الأسرة، ويستدعي الشركات، ويجعل الرياضة جزءًا من التنمية الوطنية لا مجرد فرحة عابرة بعد فوز أو غضب عابر بعد هزيمة.

ولا بد من الإشارة إلى أن كثيرًا من الحكومات العربية، ومنها الأردن، اتخذت خلال السنوات الماضية خطوات ملموسة في دعم الرياضة وتطوير بنيتها ومؤسساتها، وهي جهود تستحق التقدير. غير أن التطوير عملية مستمرة لا تتوقف، والمراجعة الدورية للسياسات، وتعزيز الشراكة مع المجتمع والقطاع الخاص، والاستفادة من التجارب العالمية، كفيلة بإطلاق أفضل ما نملكه من طاقات ومواهب.

فالانتصارات الكبرى لا تولد في الملعب وحده؛ هناك فقط تُعلن.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم