د. حسام الحراحشة يكتب: نحو حوكمة تليق بالأردن

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 16493
 د. حسام الحراحشة يكتب:  نحو حوكمة تليق بالأردن
د. حسام الحراحشة

د. حسام الحراحشة

تشهد الدول بين الحين والآخر محطات مهمة تستدعي التوقف، ليس للبحث عن المخطئ فحسب، بل لإعادة التأكيد على المبادئ التي تُبنى عليها الدول الناجحة.

وأعتقد أن ما أثير مؤخراً حول بعض العقود الحكومية يجب أن يُنظر إليه من هذا المنظور؛ ليس باعتباره أزمة، بل فرصة لتعزيز المؤسسية، وترسيخ الثقة، ورفع معايير الحوكمة بما يواكب طموحات الأردن في المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، أود أن أثمن النهج الاستباقي الذي اتخذته الحكومة في التعامل مع ما أثير من تساؤلات، من خلال تعليق الإجراءات المرتبطة بالعقود محل المراجعة واتخاذ خطوات للتحقق منها.

فمثل هذه الإجراءات تعكس روح المسؤولية، وتعزز مبادئ الشفافية والمساءلة، وتبعث برسالة مهمة بأن حماية ثقة المواطنين ونزاهة مؤسسات الدولة تأتي في المقام الأول. وآمل أن يشكل هذا النهج معياراً مؤسسياً ثابتاً في التعامل مع أي قضية مشابهة مستقبلاً، لأن بناء الثقة يبدأ من سرعة الاستجابة ووضوح الإجراءات. لقد نجح الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، في ترسيخ مكانة المملكة كدولة مستقرة، وتعزيز حضورها الدبلوماسي، وبناء شراكات اقتصادية واستراتيجية مهمة، وجذب اهتمام المستثمرين من مختلف أنحاء العالم.


كما تمثل رؤية التحديث الاقتصادي والسياسي مشروعاً وطنياً طموحاً يستحق كل الدعم. غير أنني أعتقد أن نجاح أي رؤية لا يقاس فقط بقدرتها على استقطاب الاستثمار، بل بقدرة مؤسسات الدولة على تنفيذها بكفاءة ونزاهة. فالدبلوماسية تفتح الأبواب، لكن جودة الحوكمة هي التي تمنح المستثمر الثقة للاستثمار والاستمرار. في الاقتصادات الحديثة، لا تقوم الحكومات بتنفيذ معظم المشاريع بنفسها، وإنما تحدد الاحتياجات، وتضع المواصفات، ثم تطرح المشاريع للمنافسة أمام القطاع الخاص. وهذا هو النموذج الذي تقوم عليه اقتصادات السوق الحديثة، لأنه يفتح المجال أمام جميع الشركات للتنافس على أساس الكفاءة، والجودة، والقيمة، ويضمن الاستخدام الأمثل للمال العام. ومن هنا، فإن منظومة العطاءات والعقود الحكومية ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي أحد أهم المؤشرات على قوة الدولة وجودة مؤسساتها. فهي الحلقة التي تتحول فيها السياسات إلى مشاريع، والميزانيات إلى خدمات، والمال العام إلى نتائج يلمسها المواطن.

وأؤمن بأن اقتصاد السوق لا ينجح إلا عندما تكون المنافسة عادلة، والفرص متكافئة، والقواعد واضحة للجميع. فكل شركة تستوفي الشروط يجب أن تتمتع بالفرصة نفسها للمنافسة، لأن العدالة في المنافسة ليست فقط مصلحة اقتصادية، بل هي أيضاً أساس لثقة المستثمرين بالدولة. ومن واقع تجربتي كعضو منتخب في الحكم المحلي في المملكة المتحدة، وعضويتي في لجان رقابية تراجع برامج وقرارات عامة بمئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية، وآخرها خطة استراتيجية تمتد لأربع سنوات تقارب قيمتها ثلاثة مليارات جنيه إسترليني، والتي صوتُّ ضد اعتمادها لعدم اقتناعي بوضوح أولوياتها، ومؤشرات أدائها، ومخرجاتها الملموسة، أدركت أن المساءلة ليست ثقافة رفض، بل ثقافة تحسين. إن أحد أهم أدوار المسؤول العام هو التدقيق في القرارات، وطرح الأسئلة، واختبار الافتراضات، والتأكد من تحقيق أفضل قيمة مقابل المال العام. وفي كثير من الأحيان، يؤدي هذا التدقيق إلى تحسين المشاريع، أو إعادة تصميمها، أو تحقيق وفر مالي كبير قبل إنفاق الأموال العامة. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في حجم الإنفاق، بل في جودة النتائج التي يحققها. وهذا لا يحمي المال العام فحسب، بل يحمي أيضاً العلاقة الأهم في أي دولة حديثة؛ الثقة بين المواطن، ومن يتولى خدمته، سواء كان مسؤولاً منتخباً أو معيناً. فجميع من يتولى مسؤولية عامة يحمل أمانة تستوجب أعلى درجات النزاهة والشفافية والانضباط. ومن واقع عملي في تطوير السياسات العامة، وعضويتي في لجنة تطوير السياسات، وقيادتي للعمل المؤسسي داخل المجموعة السياسية في الحكم المحلي، أعتقد أن بناء المؤسسات لا يعتمد فقط على جودة التشريعات، بل أيضاً على الاستثمار المستمر في تطوير القيادات والكوادر التي تتولى المسؤولية العامة. فطبيعة العمل الحكومي تتطور باستمرار، وكذلك التحديات المرتبطة بالحوكمة، وإدارة المال العام، وتضارب المصالح، واتخاذ القرار. ولعل من المفيد التفكير في تعزيز برامج التطوير المهني المستمر للمسؤولين المنتخبين والمعينين في مختلف مؤسسات الدولة. ففي المملكة المتحدة، تُعد برامج التطوير المهني المستمر (CPD) جزءاً طبيعياً من بيئة العمل في القطاع العام، حيث تساعد المسؤولين على مواكبة التطورات التشريعية والتنظيمية، وتبادل أفضل الممارسات، وتعزيز جودة القرارات. وأعتقد أن الاستثمار في المعرفة المؤسسية هو استثمار في قوة الدولة نفسها، لأنه يعزز الأداء، ويحمي المسؤول، ويعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات. كما أرى أن المرحلة المقبلة تمثل فرصة لتطوير منظومة الحوكمة في الأردن من خلال عدد من الإصلاحات العملية، من أبرزها:

* تعزيز الشفافية الاستباقية من خلال نشر معايير التقييم، وأسس الإحالة، ومؤشرات الأداء، ونتائج المشاريع بصورة أوضح كلما أمكن ذلك.

* تطوير منظومة إدارة تضارب المصالح بما يحمي نزاهة القرار ويعزز ثقة المواطنين والمستثمرين.

* تعزيز الرقابة على كامل دورة المشروع، بدءاً من تحديد الحاجة، ومروراً بطرح العطاء وتقييمه، وانتهاءً بالتنفيذ وقياس النتائج.


* ترسيخ مفهوم القيمة مقابل المال العام، بحيث يكون السؤال في كل مشروع: هل حقق أفضل نتيجة ممكنة مقابل كل دينار يُنفق؟

* الانتقال من قياس حجم الإنفاق إلى قياس الأثر الحقيقي، لأن نجاح الحكومات لا يقاس بما تنفقه، بل بما تحققه من نتائج ملموسة في حياة المواطنين. وأعتقد أن هذه الإصلاحات لا تستهدف زيادة الإجراءات أو تعقيدها، بل تهدف إلى بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأكثر استجابة لتطلعات المواطنين والمستثمرين. فالمؤسسات القوية لا تخشى التدقيق، بل تعتبره أحد مصادر قوتها، والحكومات الواثقة تنظر إلى المساءلة باعتبارها أداة لتحسين الأداء، وليس مجرد وسيلة للمحاسبة. إن بناء الثقة ليس مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مشتركة بين الحكومة، والمؤسسات الرقابية، والقطاع الخاص، وكل من يتولى مسؤولية عامة. فالثقة تُبنى بقرار، وتُحمى بمنظومة، وتستدام بثقافة مؤسسية. الأردن يمتلك قيادة برؤية واضحة، وموقعاً استراتيجياً، ورأس مال بشرياً متميزاً، وطموحاً مشروعاً ليكون نموذجاً في المنطقة. وأعتقد أن المرحلة المقبلة تمثل فرصة لترجمة هذا الطموح إلى نموذج مؤسسي يرسخ أعلى معايير الكفاءة، والشفافية، وسيادة القانون، ويعزز مكانة الأردن كبيئة جاذبة للاستثمار والتنمية.

إن الثقة هي رأس المال الحقيقي للدول. وكل خطوة تعزز الشفافية، وتحمي المنافسة العادلة، وترفع جودة القرار، هي استثمار مباشر في مستقبل الأردن، وفي ثقة مواطنيه، وفي قدرته على جذب الاستثمار وتحقيق التنمية المستدامة. فالدول لا تُقاس فقط بما تنجزه من مشاريع، بل بالطريقة التي تُدار بها تلك المشاريع. وعندما تكون الحوكمة قوية، والمؤسسات مستقلة، والمساءلة جزءاً من ثقافة الإدارة العامة، تتحول الثقة إلى ميزة وطنية، ويصبح الإصلاح عملية مستمرة لا رد فعل مؤقت.

وفي تقديري، فإن هذه هي الفرصة التي أمام الأردن اليوم؛ ليس فقط لمعالجة تحدٍ آني، بل لترسيخ نموذج مؤسسي أكثر قوة، وأكثر شفافية، وأكثر قدرة على تحقيق الرؤية الوطنية التي يقودها جلالة الملك وسمو ولي العهد، وبما يليق بطموح الأردنيين.


د. حسام الحراحشة عضو مجلس بلدية منتخب في لندن – المملكة المتحدة
وعضو منتخب في لجنة تطوير السياسات في حزب الخضر في إنجلترا وويلز
أكاديمي ومتخصص في الاستراتيجية والسياسات العامة والتنمية
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم