ليس أشدّ إيلامًا على النفوس من أن ترى المؤسسات التي وُجدت لحماية الحقوق وصون الكرامات وقد أصابها الوهن، فتتراجع هيبتها في أعين الناس، ويختل ميزان العدالة فيها، ويصبح الشعور بالاستياء والعَصّة رفيقًا دائمًا لكل من ينتظر إنصافًا أو يأمل معاملة تقوم على المساواة.
فالمؤسسات لا تُقاس بحجم مبانيها ولا بعدد موظفيها ولا ببريق شعاراتها، بل تُقاس بقدرتها على ترسيخ العدالة واحترام الإنسان ومنح كل ذي حق حقه. وحين يشعر الناس أن القانون يُطبّق على بعضهم دون بعض، وأن المعايير تختلف باختلاف الأشخاص والمواقع والعلاقات، تبدأ الثقة بالتآكل، وتفقد المؤسسة جزءًا من هيبتها ومكانتها في النفوس.
وحين تتسلل المزاجية إلى مواقع القرار، وتصبح الانتقائية نهجًا غير معلن، يفقد العاملون شعورهم بالأمان الوظيفي والإنصاف المعنوي. فترى ما يُقبل من شخص يُرفض من آخر، وما يُغتفر لهذا يُحاسب عليه ذاك، وما يُعد إنجازًا عند البعض يصبح تقصيرًا عند غيرهم. وهنا لا تكمن المشكلة في القرارات ذاتها، بل في ازدواجية المعايير التي تحكمها.
وما يزيد الإحساس بالمرارة أن يرى الإنسان من هم أقل منه خبرةً أو عطاءً أو تأهيلاً يمارسون صلاحياتهم كاملة، ويشاركون في صناعة القرار، بينما يحمل هو مسمىً وظيفيًا لا يرافقه أي دور حقيقي أو صلاحية مؤثرة. فيغدو المنصب عنوانًا بلا مضمون، والوظيفة اسمًا بلا أثر، وكأن الخبرة الطويلة أصبحت مجرد رقم في السجل الإداري لا قيمة له عند توزيع المسؤوليات والمهام.
وعندها لا يكون الألم بسبب فقدان صلاحية أو موقع، بل لأن الإنسان يشعر أن سنوات عمره التي قضاها في العمل والعطاء والإخلاص لم تعد موضع تقدير. ويزداد الوجع حين يرى أن معايير الاستحقاق قد تراجعت أمام معايير أخرى لا علاقة لها بالكفاءة أو الإنجاز، فيتسلل الإحباط إلى النفوس بصمت، وتستقر الغصة في القلوب دون أن تجد من يصغي إليها.
إن العدالة لا تحتاج إلى خطابات رنانة ولا شعارات تُرفع في المناسبات، بل تحتاج إلى ميزان ثابت لا يميل مع الأهواء، ولا يتغير بتغير الأشخاص. فالناس قد يقبلون القرار الصعب إذا شعروا بعدالته، لكنهم لا يقبلون الظلم مهما حاول البعض تجميله أو تبريره.
وما يثير الأسف أن بعض المؤسسات لا تدرك أن هيبتها الحقيقية لا تُبنى بالخوف ولا بالتعالي، وإنما تُبنى بالثقة. والثقة لا تُفرض بقرار، ولا تُمنح بمنصب، بل تُكتسب حين يرى الناس أن الكفاءة محترمة، وأن الحقوق مصانة، وأن أبواب الفرص مفتوحة للجميع على أساس الجدارة لا على أساس القرب والمحاباة.
وحين يشعر أصحاب الخبرة والعطاء أن جهودهم تُهمّش، وأن التقدير يُمنح وفق المزاج لا الاستحقاق، وأن المكافأة تذهب لمن يجيد الاقتراب لا لمن يحسن العمل، فإن المرارة تتسلل إلى النفوس، ويصبح العتب أكبر من الكلمات، لأن الجرح هنا لا يصيب الوظيفة وحدها، بل يمس الكرامة والانتماء والشعور بقيمة الإنسان.
إن المؤسسات القوية هي التي تراجع نفسها باستمرار، وتسمع صوت النقد قبل أن يتحول إلى صمت، وتدرك أن العدالة ليست ترفًا إداريًا، بل شرطًا أساسيًا للاستقرار والنجاح. أما حين يغيب الإنصاف وتتسع الفجوة بين الشعارات والممارسات، فإن الهيبة تبدأ بالتآكل بصمت، حتى وإن بدا كل شيء على السطح مستقرًا.
ولا نطلب امتيازات خاصة، ولا نسعى إلى ألقاب إضافية، ولا نبحث عن تصفيق عابر، بل نرفض أن نُعامل وكأن سنوات العمر التي أفنيناها في خدمة مؤسساتنا لم تكن سوى أرقام في ملفات الأرشيف، وأن الخبرات التي راكمناها عبر السنين أصبحت عبئًا بدل أن تكون مصدر قوة واحترام.
إن أشد الظلم ليس أن يُحرم الإنسان من منصب، بل أن يُحرم من حقه في التقدير، وأن يرى من هم دونه خبرة وتجربة وتأهيلاً يتقدمون عليه، لا لتميز في الأداء، بل لأن الظروف والاعتبارات دفعت بهم إلى الواجهة، فيما تُترك الكفاءات الحقيقية على أرصفة الانتظار.
وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، فإنه لا يغضب على نفسه بقدر ما يحزن على مؤسسة أحبها وأخلص لها، وكان يتمنى أن تكون أكثر عدلاً وإنصافًا. فالمواقع تزول، والمناصب تتغير، والأسماء تتبدل، لكن الذاكرة لا تنسى من أنصف ومن ظلم، ومن حفظ للناس كرامتهم ومن كسر خواطرهم.
فهيبة المؤسسات لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل حين يُظلم مستحق، ويُهمّش مخلص، ويُكافأ متسلق، ويُحرم صاحب الكفاءة من حقه المعنوي والوظيفي. وعندها لا يكون السؤال: لماذا استاء الناس؟ بل لماذا تأخر هذا الاستياء كل هذا الوقت؟
وسيبقى التاريخ شاهدًا على حقيقة لا تتغير: أن المؤسسة التي تقوم على العدالة تبقى وإن تبدلت الوجوه، أما المؤسسة التي تحكمها المزاجية والانتقائية فإنها تخسر شيئًا فشيئًا أثمن ما تملك؛ ثقة الناس واحترامهم وولاء أبنائها. وحين تضيع الثقة، لا تنفع المناصب، ولا تكفي التعليمات، ولا تعيد الهيبة آلاف الشعارات المعلقة على الجدران.
فإذا غابت العدالة، غاب معها الشعور بالانتماء، وإذا انكسر خاطر المخلصين، خسرت المؤسسة أعمدةً كانت تستند إليها دون أن تشعر. وعندها يصبح العتب واجبًا، والكلمة الصادقة أمانة، والتاريخ هو القاضي الذي لا يجامل أحدًا.
محمد مطلب المجالي.
فالمؤسسات لا تُقاس بحجم مبانيها ولا بعدد موظفيها ولا ببريق شعاراتها، بل تُقاس بقدرتها على ترسيخ العدالة واحترام الإنسان ومنح كل ذي حق حقه. وحين يشعر الناس أن القانون يُطبّق على بعضهم دون بعض، وأن المعايير تختلف باختلاف الأشخاص والمواقع والعلاقات، تبدأ الثقة بالتآكل، وتفقد المؤسسة جزءًا من هيبتها ومكانتها في النفوس.
وحين تتسلل المزاجية إلى مواقع القرار، وتصبح الانتقائية نهجًا غير معلن، يفقد العاملون شعورهم بالأمان الوظيفي والإنصاف المعنوي. فترى ما يُقبل من شخص يُرفض من آخر، وما يُغتفر لهذا يُحاسب عليه ذاك، وما يُعد إنجازًا عند البعض يصبح تقصيرًا عند غيرهم. وهنا لا تكمن المشكلة في القرارات ذاتها، بل في ازدواجية المعايير التي تحكمها.
وما يزيد الإحساس بالمرارة أن يرى الإنسان من هم أقل منه خبرةً أو عطاءً أو تأهيلاً يمارسون صلاحياتهم كاملة، ويشاركون في صناعة القرار، بينما يحمل هو مسمىً وظيفيًا لا يرافقه أي دور حقيقي أو صلاحية مؤثرة. فيغدو المنصب عنوانًا بلا مضمون، والوظيفة اسمًا بلا أثر، وكأن الخبرة الطويلة أصبحت مجرد رقم في السجل الإداري لا قيمة له عند توزيع المسؤوليات والمهام.
وعندها لا يكون الألم بسبب فقدان صلاحية أو موقع، بل لأن الإنسان يشعر أن سنوات عمره التي قضاها في العمل والعطاء والإخلاص لم تعد موضع تقدير. ويزداد الوجع حين يرى أن معايير الاستحقاق قد تراجعت أمام معايير أخرى لا علاقة لها بالكفاءة أو الإنجاز، فيتسلل الإحباط إلى النفوس بصمت، وتستقر الغصة في القلوب دون أن تجد من يصغي إليها.
إن العدالة لا تحتاج إلى خطابات رنانة ولا شعارات تُرفع في المناسبات، بل تحتاج إلى ميزان ثابت لا يميل مع الأهواء، ولا يتغير بتغير الأشخاص. فالناس قد يقبلون القرار الصعب إذا شعروا بعدالته، لكنهم لا يقبلون الظلم مهما حاول البعض تجميله أو تبريره.
وما يثير الأسف أن بعض المؤسسات لا تدرك أن هيبتها الحقيقية لا تُبنى بالخوف ولا بالتعالي، وإنما تُبنى بالثقة. والثقة لا تُفرض بقرار، ولا تُمنح بمنصب، بل تُكتسب حين يرى الناس أن الكفاءة محترمة، وأن الحقوق مصانة، وأن أبواب الفرص مفتوحة للجميع على أساس الجدارة لا على أساس القرب والمحاباة.
وحين يشعر أصحاب الخبرة والعطاء أن جهودهم تُهمّش، وأن التقدير يُمنح وفق المزاج لا الاستحقاق، وأن المكافأة تذهب لمن يجيد الاقتراب لا لمن يحسن العمل، فإن المرارة تتسلل إلى النفوس، ويصبح العتب أكبر من الكلمات، لأن الجرح هنا لا يصيب الوظيفة وحدها، بل يمس الكرامة والانتماء والشعور بقيمة الإنسان.
إن المؤسسات القوية هي التي تراجع نفسها باستمرار، وتسمع صوت النقد قبل أن يتحول إلى صمت، وتدرك أن العدالة ليست ترفًا إداريًا، بل شرطًا أساسيًا للاستقرار والنجاح. أما حين يغيب الإنصاف وتتسع الفجوة بين الشعارات والممارسات، فإن الهيبة تبدأ بالتآكل بصمت، حتى وإن بدا كل شيء على السطح مستقرًا.
ولا نطلب امتيازات خاصة، ولا نسعى إلى ألقاب إضافية، ولا نبحث عن تصفيق عابر، بل نرفض أن نُعامل وكأن سنوات العمر التي أفنيناها في خدمة مؤسساتنا لم تكن سوى أرقام في ملفات الأرشيف، وأن الخبرات التي راكمناها عبر السنين أصبحت عبئًا بدل أن تكون مصدر قوة واحترام.
إن أشد الظلم ليس أن يُحرم الإنسان من منصب، بل أن يُحرم من حقه في التقدير، وأن يرى من هم دونه خبرة وتجربة وتأهيلاً يتقدمون عليه، لا لتميز في الأداء، بل لأن الظروف والاعتبارات دفعت بهم إلى الواجهة، فيما تُترك الكفاءات الحقيقية على أرصفة الانتظار.
وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، فإنه لا يغضب على نفسه بقدر ما يحزن على مؤسسة أحبها وأخلص لها، وكان يتمنى أن تكون أكثر عدلاً وإنصافًا. فالمواقع تزول، والمناصب تتغير، والأسماء تتبدل، لكن الذاكرة لا تنسى من أنصف ومن ظلم، ومن حفظ للناس كرامتهم ومن كسر خواطرهم.
فهيبة المؤسسات لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل حين يُظلم مستحق، ويُهمّش مخلص، ويُكافأ متسلق، ويُحرم صاحب الكفاءة من حقه المعنوي والوظيفي. وعندها لا يكون السؤال: لماذا استاء الناس؟ بل لماذا تأخر هذا الاستياء كل هذا الوقت؟
وسيبقى التاريخ شاهدًا على حقيقة لا تتغير: أن المؤسسة التي تقوم على العدالة تبقى وإن تبدلت الوجوه، أما المؤسسة التي تحكمها المزاجية والانتقائية فإنها تخسر شيئًا فشيئًا أثمن ما تملك؛ ثقة الناس واحترامهم وولاء أبنائها. وحين تضيع الثقة، لا تنفع المناصب، ولا تكفي التعليمات، ولا تعيد الهيبة آلاف الشعارات المعلقة على الجدران.
فإذا غابت العدالة، غاب معها الشعور بالانتماء، وإذا انكسر خاطر المخلصين، خسرت المؤسسة أعمدةً كانت تستند إليها دون أن تشعر. وعندها يصبح العتب واجبًا، والكلمة الصادقة أمانة، والتاريخ هو القاضي الذي لا يجامل أحدًا.
محمد مطلب المجالي.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات