د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: علم النفس السريري: مرآة الحضارات وإشراقة الحضارة الإسلامية

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11449
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: علم النفس السريري: مرآة الحضارات وإشراقة الحضارة الإسلامية
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

"ليست الحضارات بما تبنيه من مدن، وإنما بما تضيفه إلى فهم الإنسان."

لعل أطول رحلة فكرية وعلمية عرفتها البشرية لم تكن رحلة اكتشاف القارات، ولا رحلة الوصول إلى الفضاء، بل رحلة الإنسان لفهم الإنسان. فمنذ أن وقف الإنسان الأول أمام أخيه، ورآه يضحك بلا سبب، أو يبكي دون جرح، أو يسمع أصواتًا لا يسمعها غيره، بدأ سؤال سيلازم الحضارة حتى يومنا هذا: لماذا يتغير الإنسان؟

في البدايات، لم يكن الإنسان يملك مختبرًا ولا مجهرًا ولا جهازًا لتصوير الدماغ. كان يملك الملاحظة والخوف والخيال، ولذلك امتزجت الأسطورة بالدين، والدين بالعلاج، والعلاج بالتجربة. وتشير الاكتشافات الأثرية إلى أن بعض المجتمعات القديمة مارست ثقب الجمجمة (Trepanation) منذ آلاف السنين، ويُرجح الباحثون أن هذه العمليات استُخدمت أحيانًا لعلاج إصابات الرأس، وربما ارتبط بعضها بمعتقدات روحية. لكنها تكشف في جميع الأحوال عن حقيقة واحدة؛ أن الإنسان لم يستسلم يومًا أمام المعاناة، بل حاول فهمها وعلاجها بما توفر له من معرفة.

غير أن التاريخ لا يُقرأ بمحطات منفصلة، بل بفلسفة تطور الأفكار.

كل حضارة واجهت الإنسان المريض سألت السؤال نفسه، لكنها أجابت بطريقة مختلفة. فالمصري القديم رأى المرض النفسي امتدادًا لعالم الغيب، وامتزج عنده الطب بالدين. أما اليوناني فلم يكتفِ بالتفسير، بل جعل الإنسان سؤالًا للعقل. وحين وقف أبقراط (Hippocrates) ليقول إن للدماغ دورًا في المرض، لم يكن يصحح مفهومًا طبيًا فحسب، بل كان يعلن بداية انتقال الإنسان من تفسير المعاناة بالخوارق إلى تفسيرها بالملاحظة والبحث.

ثم جاء سقراط (Socrates) ليجعل معرفة الإنسان بنفسه أصل الحكمة، وأعقبه أفلاطون (Plato) وأرسطو (Aristotle) اللذان وضعا أسسًا فلسفية لفهم النفس، قبل أن يتحول هذا الفهم تدريجيًا إلى موضوع للبحث المنهجي.

أما الرومان فلم يسعوا إلى بناء فلسفة جديدة بقدر ما سعوا إلى تحويل المعرفة إلى ممارسة. فقد برز جالينوس (Galen) الذي ربط بين الدماغ والأعصاب والانفعالات، وأصبحت مؤلفاته مرجعًا طبيًا لقرون. وفي المسرح الروماني ظهر مصطلح Persona، أي القناع الذي يرتديه الممثل، ومنه تطور لاحقًا مفهوم Personality أو الشخصية، وكأن التاريخ كان يلمح مبكرًا إلى أن الإنسان يحمل أدوارًا متعددة، بينما يحاول العلم اكتشاف حقيقته.

ثم جاءت الحضارة الإسلامية، فلم تكتفِ بترجمة علوم الأمم، بل أعادت قراءتها ونقدها وتطويرها. ففي بغداد ودمشق والقاهرة وفاس، ظهرت البيمارستانات (Bimaristans) التي خصص بعضها أقسامًا للمرضى النفسيين، واعتمدت الرعاية الطبية والبيئة الهادئة، وتشير المصادر التاريخية إلى استخدام الموسيقى في بعض هذه المؤسسات بوصفها وسيلة علاجية مساندة.

وبرز أبو زيد البلخي (Abu Zayd al-Balkhi) الذي وصف حالات تشبه القلق والاكتئاب والوسواس، وربط بين صحة النفس وصحة الجسد، وقدم الرازي (Al-Razi) نموذجًا متقدمًا في الرعاية الطبية، بينما رسخ ابن سينا (Avicenna / Ibn Sina) العلاقة بين النفس والجسد، وتورد المصادر التراثية رواية عن كشفه سبب مرض شاب من خلال ملاحظة تغير نبضه عند ذكر اسم من أحب، وهي من أقدم الأمثلة على توظيف الملاحظة السريرية في فهم الإنسان. أما القصة المشهورة عن الرجل الذي ظن نفسه بقرة، فهي من الروايات المنسوبة إليه في الأدبيات التراثية، ولا يوجد اتفاق بين الباحثين على ثبوتها في مؤلفاته الأصلية.

كما أسهم ابن رشد (Averroes / Ibn Rushd) في ترسيخ المنهج العقلي، وقدم ابن الهيثم (Ibn al-Haytham) إسهامات رائدة في فهم الإدراك، ووضع ابن خلدون (Ibn Khaldun) أسسًا مبكرة لفهم أثر المجتمع في السلوك الإنساني.

وإذا كانت الحضارة اليونانية قد جعلت المرض سؤالًا للعقل، والرومانية قد حولت الفكرة إلى ممارسة طبية، فإن الحضارة الإسلامية أعادت للمريض إنسانيته، قبل أن تعرف أوروبا بقرون طويلة أن الرحمة قد تكون جزءًا من العلاج.

ومع بدايات العصر الحديث، بدأت أوروبا تراجع كثيرًا من ممارساتها السابقة. وقاد فيليب بينيل (Philippe Pinel) في فرنسا وويليام توك (William Tuke) في إنجلترا حركة إصلاحية رسخت مبدأ أن المريض النفسي يستحق الرعاية لا العقاب، وأن الكرامة ليست امتيازًا، بل حق إنساني.

وفي عام 1879 أسس فيلهلم فونت (Wilhelm Wundt) أول مختبر لعلم النفس التجريبي، ثم جاء لايتنر ويتمر (Lightner Witmer) ليؤسس أول عيادة لعلم النفس السريري عام 1896، لتبدأ مرحلة جديدة انتقل فيها علم النفس من التأمل الفلسفي إلى الممارسة المهنية.

ثم ظهر سيغموند فرويد (Sigmund Freud)، ولم يكن مجرد طبيب أسس مدرسة التحليل النفسي، بل كان ابنًا لمدينة فيينا في أواخر القرن التاسع عشر، وهي مدينة كانت تعيش صراعًا بين المحافظة الاجتماعية والانفتاح الثقافي. لذلك لم يقرأ الإنسان بمعزل عن ثقافته، وأعطى للدوافع الجنسية مساحة أكبر مما يمنحها لها علم النفس الحديث. ولهذا بقي تأثيره هائلًا، وبقي الجدل حول أفكاره حاضرًا حتى اليوم؛ فالرجل لم يقدم إجابات نهائية، لكنه غيّر طبيعة الأسئلة التي يطرحها العلم عن الإنسان.

ثم جاءت المدرسة السلوكية مع جون واطسون (John B. Watson) وبورهوس سكنر (B. F. Skinner)، لتعيد التركيز على السلوك القابل للملاحظة، وأعقبتها المدرسة الإنسانية مع كارل روجرز (Carl Rogers) وأبراهام ماسلو (Abraham Maslow)، ثم الثورة المعرفية مع آرون بيك (Aaron T. Beck) وألبرت أليس (Albert Ellis)، التي أرست أسس كثير من العلاجات النفسية الحديثة المبنية على الدليل العلمي.

ومع اتساع الدولة الحديثة، لم يعد يكفي عالم نفس واحد. فالمدرسة احتاجت إلى علم النفس التربوي (Educational Psychology)، والأسرة إلى علم النفس الإرشادي (Counseling Psychology)، والمجتمع إلى علم النفس الاجتماعي (Social Psychology)، والمحكمة إلى علم النفس الجنائي والشرعي (Forensic Psychology)، والمصنع إلى علم النفس الصناعي والتنظيمي (Industrial–Organizational Psychology)، والمستشفى إلى علم النفس السريري (Clinical Psychology)، والجيش إلى علم النفس العسكري (Military Psychology)، حتى أصبح علم النفس حاضرًا في كل مؤسسة تبني الإنسان، لا لأنه يدرس المرض فقط، بل لأنه يدرس الإنسان في مختلف أدواره وتحدياته.

واليوم يقف علم النفس على أعتاب مرحلة جديدة، حيث يلتقي مع الذكاء الاصطناعي، والتصوير الوظيفي للدماغ، والوراثة السلوكية، والعلاج الرقمي، والطب الدقيق. ولم يعد الهدف أن نعرف ما هو المرض فحسب، بل كيف نبني إنسانًا أكثر قدرة على التكيف، وأكثر جودة في حياته، وأكثر إسهامًا في مجتمعه.

إن تاريخ علم النفس ليس تاريخ مدارس ونظريات فقط، بل هو تاريخ تطور نظرة الإنسان إلى الإنسان. وكلما تقدمت الحضارة، اتسعت قدرتها على استبدال الخوف بالفهم، والعقاب بالرعاية، والخرافة بالدليل.

ولعل أعظم درس تقدمه هذه الرحلة أن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن الاستثمار في الصحة النفسية والتعليم والتأهيل ليس رفاهية، بل أحد أهم مؤشرات نضج الدول واستقرار المجتمعات، لأن الإنسان كان وسيبقى نقطة البداية... ونقطة النهاية في كل مشروع حضاري.
د. زيد إحسان الخوالدة

باحث في علم النفس السريري والشأن الصحي ونمط الحياة
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم