الدكتور علي الصلاحين يكتب: توهان .. من مضافة أبي مازن إلى واقعنا المعاصر

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 10029
الدكتور علي الصلاحين يكتب: توهان .. من مضافة أبي مازن إلى واقعنا المعاصر
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

توهان... من مضافة أبي مازن إلى واقعنا الدكتور علي الصلاحين لم تكن مضافة الحاج أبي مازن مجرد مكانٍ لاستقبال الضيوف وتقديم القهوة، بل كانت فضاءً اجتماعيًا حيًا، ومدرسةً شعبيةً في الحوار، تتلاقح فيها الأفكار، وتُناقش فيها قضايا الناس بلغةٍ قريبة من وجدانهم وعقولهم. كانت المضافة، بفطرتها، تدرك أن المجتمعات لا تُبنى بالصوت العالي، بل بالعقل الهادئ الذي يُحسن الإصغاء قبل أن يُحسن الحكم، وأن الخلاف إذا أُدير بعقلٍ رشيد يمكن أن يتحول إلى طريقٍ للفهم لا ساحةٍ للخصام. كان أبو مازن يختار قضيةً تمس حياة الناس، اجتماعية كانت أو تربوية أو اقتصادية، ثم يحولها إلى حوارٍ حيٍّ تُوزّع فيه الأدوار على الحاضرين، فيتقمص كل واحدٍ زاويةً من زوايا المشكلة، وتتقابل الآراء، وتتباين الاجتهادات، حتى يقترب الجميع من تشخيصٍ أعمق للواقع، وبحثٍ أصدق عن الحل. لم يكن الهدف أن ينتصر رأيٌ على آخر، بل أن تنتصر الفكرة على الانفعال، والحكمة على الارتجال، وأن يخرج المجلس بفهمٍ أوسع مما دخل به. غير أن ذلك المشهد، رغم جماله، لم يكن يخلو من شخصيةٍ ينتظرها الجميع، لا لأنها تضيف إلى النقاش، بل لأنها تكشف طبيعةً إنسانيةً مألوفة. كان يدخل متحمسًا، يطلب الحديث بثقة، ثم يفاجئ الحاضرين بسؤالٍ لا يمتّ إلى الموضوع بصلة، أو بحلٍ لو طُبّق لأربك المسار بدل أن يصححه. فإذا كان النقاش عن الأسرة، انتقل إلى السوق، وإذا كان عن التعليم، استحضر الطقس، وإذا كان عن البطالة، روى قصةً بعيدةً عن أصل القضية. عندها كان أبو مازن يبتسم، ثم يقول كلمته التي حفظها الناس: "اسكت يا توهان." لم تكن تلك العبارة إقصاءً لشخص، بقدر ما كانت توصيفًا لحالةٍ ذهنية؛ حالةٍ يغيب فيها مركز الفكرة، وتضيع فيها الأولويات بين الهوامش، ويتحول فيها الكلام إلى غايةٍ بذاته لا وسيلةٍ للفهم. إنها طريقة تفكيرٍ تخلط بين الاختلاف والاضطراب، وبين حرية الرأي وفوضى الطرح، وتظن أن المخالفة الدائمة دليل وعي، ولو ابتعدت عن جوهر القضايا. ولعل ما يدعو إلى التأمل أن "توهان" لم يبق حبيس تلك المضافة، بل تمدد إلى مساحاتٍ أوسع من واقعنا المعاصر. نراه في الشأن العام حين تُطرح القضايا الكبرى، فإذا بالنقاش ينزلق إلى تفاصيل جانبية تستهلك الوقت وتُضعف الفهم. ونراه في الاقتصاد حين تُناقش قضايا التنمية والبطالة وغلاء المعيشة، فإذا ببعض الطروحات تُشتت الانتباه بدل أن تُقرب الحل. ونراه في التربية حين يُفترض أن يكون الحديث عن بناء الإنسان، فإذا بالنقاش ينحصر في قشورٍ شكلية تُغفل الجوهر وتترك القيم في الظل. ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذا النمط مساحةً أوسع للظهور. فأصبح من السهل أن يتحدث من لم يتثبت، وأن يحكم من لم يتعمق، وأن يتصدر المشهد من لا يملك إلا صوتًا عاليًا أو إثارةً سريعة. ومع الوقت، صار الضجيج أكثر حضورًا من الفكرة، والانفعال أكثر انتشارًا من التحليل، وأصبح عدد المتابعين معيارًا يزاحم جودة الرأي لا يعكسها. إن الخطر الحقيقي ليس في وجود هذا النمط من التفكير، فكل مجتمعٍ لا يخلو من أصواتٍ متباينة، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها "التوهان" من سلوكٍ فردي إلى ثقافةٍ عامة، ومن استثناءٍ طريف إلى منهجٍ في إدارة الحوار وصناعة القرار. عندها يُقصى العقل لصالح الضجيج، وتُهمَّش الخبرة أمام الارتجال، وتضيع القضايا الكبرى في زحام التفاصيل الصغيرة. كان أبو مازن، بحكمته البسيطة، يدرك أن بعض الجدال لا يقود إلى نتيجة، لذلك لم يكن يسمح لتلك الحالة أن تسترسل أو تسيطر على مجرى الحديث. كان يوقفها بابتسامةٍ قصيرة، ثم يعيد الحوار إلى مساره الطبيعي، وكأنه يعلّم الجميع أن إدارة النقاش لا تقل أهمية عن النقاش نفسه، وأن الحكمة ليست في كثرة الكلام، بل في معرفة متى يُقال ومتى يُتجاوز. وحين يقترب المجلس من نهايته، كان "توهان" يلتفت ضاحكًا إلى أبي مازن ويقول: "يا أبا مازن... خلِّ أبو غازي يسمعنا على الربابة." فيبتسم الحاضرون، ويعلو صوت الربابة، وكأنها تختم المشهد بإشارةٍ رمزيةٍ إلى أن لكل حوارٍ نهاية، وأن الضحكة لا تُلغي الحكمة، كما أن الحكمة لا تُلغي روح الحياة. ويبقى السؤال اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقتٍ مضى: هل "توهان" مجرد شخصيةٍ من ذاكرة المجالس القديمة، أم أنه أصبح نمطًا يتسلل إلى طريقة تفكيرنا، وإلى أسلوب حواراتنا، وإلى طريقة إدارتنا لشؤوننا العامة؟ فإذا كان قد تحول إلى ثقافة، فإن أول طريق الإصلاح يبدأ باستعادة وضوح الفكرة، ووزن الأولويات، والعودة إلى ذلك الصوت الحكيم الذي كان يعرف متى يبتسم، ومتى يقول بهدوءٍ حاسم: "اسكت يا توهان."
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم